سار خلفاء صلاح الدين على خطته في بناء المدارس، فقد عرف عن ابنه الملك الظاهر، صاحب حلب، أنه عمرت في أيامه المدارس الكثيرة، منها (الظاهرية البرانية) التي أنشأها بدمشق سنة 613هـ. وجدير بالذكر أنه سمع بالاسكندرية من ابن عوف، وبمصر من ابن بري، وبدمشق من الفضل البانياسي، وحدث بحلب، قبل أن يلي سلطنتها، ثلاثين عامًا.
أجرى الظاهر الأيوبي الأوقاف الكثيرة على المدارس، فعندما أنشأ قاضيه بهاء الدين بن شداد (المدرسة الصاحبية) قرر لها إقطاعًا جيدًا، واستدعى الفقهاء من كل الأمصار ليجعل من حلب الشهباء كعبة للعلم والعلماء.
وجاء الملك العادل، فأسس المدارس الكثيرة، نذكر منها (العادلية الكبرى) و (العادلية الصغرى) . أما العادلية الكبرى فيذكر ابن شداد أن نور الدين أول من أنشأها، وتوفي قبل اكتمال بنائها، ثم بنى بعضها الملك العادل سيف الدين، وتوفي أيضًا قبل إتمام بنائها، فأتمها من بعد ولده الملك المعظم، وأوقف عليها الأوقاف، غير أن النعيمي يخالف رأي ابن شداد، ويقول:"رأيت أنا ما كان بناه نور الدين وما بعده منها، وهو موضع المسجد والمحراب الآن، ثم لما بناه الملك العادل أزال تلك العمارة، وبناه هذا البناء المتقن المحكم الذي لا نظير له في بنيان المدارس". ويعلق النعيمي (22) بعد ذلك مشيرًا إلى المكان الذي صنف فيه كتابه (الدارس في تاريخ المدارس) .
وأما (العادلية الصغرى) فقد أنشأتها ابنته زهرة خاتون، وشرطت للمدرسة مدرسًا، ومعيدًا، وإمامًا، ومؤذنًا، وبوابًا، وقيمًا، وعشرين فقيهًا، ووقفت الجهات المذكورة...، منها ما هو على مصالح المدرسة ومصارفها (23) .
وأنشأ الملك المعظم ابن الملك العادل (المدرسة المعظمية) للحنفية، لأنه كان يشتغل على مذهب أبي حنيفة، وهو فقيه وأديب، حفظ القرآن، وسمع المسند كله لابن حنبل، وشرح الجامع الكبير في عدة مجلدات، وأول من درس في هذه المدرسة مجد الدين قاضي الطور.