فهرس الكتاب

الصفحة 760 من 23694

ومن المفيد للبحث هنا أن نرى عبر الزمن صورة المسجد الجامع بعد مرور خمسة قرون من الزمن، ومن حسن الحظ أن يكون العلامة الكبير أبو العباس أحمد بن محمد المقري التلمساني المالكي المذهب (المتوفى سنة 1041هـ) من أصل مغربي أيضًا، فقد أم دمشق وأملى صحيح البخاري على الألوف من العلماء، وطلبة العلم، وجماهير لا تحصى من الناس الذين اجتمعوا للالتقاء بهذا العالم المغربي الكبير.

والمعروف عنه أنه ارتحل إلى فاس مرتين، وورد إلى مصر، وانتقل إلى دمشق سنة 1039هـ، فأنزلته المغاربة في مكان لا يليق به، فأرسل إليه أحمد بن شاهين مفتاح المدرسة الجمقمقية، وكتب مع المفتاح بعض الأبيات الشعرية مرحبًا بقدومه (9) .

وصف المحبي المقري وهو يلقي درسًا في الحديث النبوي من صحيح البخاري، بعد صلاة الصبح تحت قبة النسر في هذا المسجد الجامع، فقال:

"ولما دخل إليها (أي دمشق) أعجبته، فنقل أسبابه إليها، واستوطنها مدة، وأملى صحيح البخاري في الجامع الأموي، تحت قبة النسر، بعد صلاة الصبح. ولما كثر الناس بعد أيام خرج إلى صحن الجامع، تجاه القبة المعروفة بالباعونية، وحضره غالب أعيان دمشق. وأما الطلبة فلم يتخلف منهم أحد، وكان يوم ختمه حافلًا جدًا، اجتمع فيه الألوف من الناس، وعلت الأصوات بالبكاء، فنقلت حلقة الدرس إلى الصحن، إلى الباب الذي يوضع فيه العلم النبوي في الجمعات: من رجب، وشعبان، ورمضان، وأتى له بكرسيّ الوعظ، فصعد عليه، وتكلم بكلام في العقائد والحديث، ولم يسمع نظيره أبدًا، وتكلم على ترجمة البخاري، وأنشده له بيتين، وأفاد أن ليس للبخاري غيرهما، وهما:"

اغتنم في الفراغ فضل ركوع

فعسى أن يكون موتك بغته

كم صحيح قد مات قبل سقيم

ذهبت نفسه النفيسة فلته

وكانت الجلسة من طلوع الشمس إلى قرب الظهر، ثم ختم الدرس بأبيات قالها حين ودع المصطفى، صلى الله عليه وسلم، وهي قوله:

يا شفيع العصاة أنت رجائي

كيف يخشى الرجاء عندك خيبه

وإذا كنت حاضرًا بفؤادي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت