فهرس الكتاب

الصفحة 759 من 23694

تلك هي حال المسجد الجامع وغيره في القرن السادس ومطلع القرن السابع الهجريين، فلقد قدم خدمة كبرى في ميدان العلوم الدينية والنشاطات الثقافية، وهكذا أصبح قبلة أنظار الطلبة والعلماء في المشرق والمغرب على السواء. وليس من باب المصادفة أن يختتم ابن جبير حديثه الشيق عن دمشق ومسجدها الجامع بقوله:

"ومرافق الغرباء بهذه البلدة أكثر من أن يأخذها الإحصاء، ولا سيما لحفاظ كتاب الله، عز وجل، والمنتمين للطلب. فالشأن بهذه البلدة لهم عجيب جدًا. وهذه البلاد المشرقية كلها على هذا الرسم، لكن الاحتفال بهذه البلدة أكثر والاتساع أوجد."

فمن شاء الفلاح من نشأة مغربنا فليرحل إلى هذه البلاد، ويتغرب في طلب العلم، فيجد الأمور المعينات كثيرة. فأولها فراغ البال من أمر المعيشة، وهو أكبر الأعوان وأهمها، فإذا كانت الهمة، فقد وجد السبيل إلى الاجتهاد، ولا عذر للمقصر إلا من يدين بالعجز والتسويف، فذلك من لا يتوجه هذا الخطاب عليه، وإنما المخاطب كل ذي همة يحول طلب المعيشة بينه وبين مقصده في وطنه من الطلب العلمي.

فهذا المشرق بابه مفتوح لذلك، فادخل أيها المجتهد بسلام، وتغنم الفراغ والانفراد قبل علق الأهل والأولاد، وتقرع سن الندم على زمن التضييع، والله يوفق ويرشد، لا إله سواه، قد نصحت إن ألفيت سامعًا، وناديت إن أسمعت مجيبًا، (ومن يهد الله فهو المهتد) " (7) ."

وهكذا وجدنا المغاربة يؤمون دمشق لطلب العلم والمعرفة، وكانت سيرتهم حميدة مؤتمنة. قال ابن جبير:

"وليس يؤتمن فيها كلها سوى المغاربة الغرباء، لأنهم قد علا لهم بهذا البلد صيت في الأمانة، وطار لهم فيها ذكر، وأهلها لا يأتمنون البلديين" (8) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت