وينبه ابن جني في هذه المناسبة إلى ضرورة تسجيل الخاطر، وعدم الاعتماد على الحافظة ويروي أنه رأى في حداثته معنى يجمع بين آية كريمة وبيت من الشعر، ولم يثبت رأيه كتابة. ثم إنه بعد مضى سنين طوال كدَّ ذهنه ليذكر وجه الجمع الذي ارتآه فيما مضى، فلم تسعفه ذاكرته (70) .
وختامًا للبحث نقول: إذا كنا أفضنا بعض الإفاضة في السبب الأخير من أسباب اختلافات العلماء وهو طبيعة البحث العلمي، وما بني عليه من منهج في مواقفهم والاختيار من بين آرائهم فعذرنا أن السبب الأول، وهو طبيعة اللغة العربية أعقد من أن يحيط به بحث أو باحث، بَلَه أن يبت فيه، أما السبب الثاني وهو طبيعة العلل التي تتحكم في العلاقات اللغوية فقد أشبعه ابن جني بحثًا في الخصائص، فشرح أنواع العلة من موجبة، ومجوزة، واحتياطية، وسعى كما سبق في المقدمة إلى التخلص من تخصيص العلل للوصول إلى العلة الجازمة، أما السبب الثالث وهو ما يتعلق بالدلالات فينظر إليه في رأينا على ضوء النظام العام للغة الذي هو محور الجهد الرئيسي في"الخصائص"والذي يجب أن يكون الضابط لاجتهاد المجتهدين في هذه اللغة.
الحواشي:
(1) انظر"في أصول النحو"للأستاذ سعيد الأفغاني ص 100.
(2) الخصائص 1 / 361.
(3) خلاصتها أن يحيى بن خالد البرمكي، جمع في مجلسه بين سيبويه والكسائي، فسال الكسائي سيبويه، كيف تقول: (قد كنت أظن العقرب أشد لسعة من الزنبور فإذا هو هي، أو فإذا هو إياها"؟ فقال سيبويه:"فإذا هو هي"ولا يجوز النصب. فقال له الكسائي: لحنت. فاحتكم إلى فصحاء العرب الذي كانوا بالباب، فأيدوا الكسائي. ولا خلاف في أن الحق إلى جانب سيبويه، وتؤيده شواهد كثيرة من القرآن الكريم، مثل (فإذا هي بيضاء( الأعراف 7 / 108 و(فإذا هي حية تسعى( طه 30 / 20 (فإذا هي شاخصة( الأنبياء 21 / 97. وانظر مجالس ثعلب وأمالي ابن الشجري 1 / 229 والإنصاف في مسائل الخلاف 702 وفي أصول النحو 180."