2 ـ"فإن استبهم الأمر فلم يعرف التاريخ وجب سبر المذهبين، وإنعام الفحص عن حال القولين، فإن كان أحدهما أقوى من صاحبه وجب إحسان الظن بذلك العالم، وإن ينسب إليه أن الأقوى منهما هو قوله الثاني... وإن الأضعف منهما هو الأول منهما الذي تركه إلى الثاني. فإن تساوى القولان في القوة وجب أن يعتقد فيهما أنهما رأيان له، فإن الدواعي إلى تساويهما فيهما عند الباحث عنهما هي الدواعي التي دعت القائل بهما إلى أن اعتقد كلًا منهما، وعليه طريق الشافعي في قوله بالقولان فصاعدًا، كان أبو الحسن ركابًا لهذا الثبج (65) أخذًا وقد كتبه عليه... ومن الشائع في الرجوع عنه من المذاهب ما كان أبو العباس تتبع به كلام سيبويه، وسماه مسائل الغلط، فحدثني أبو علي عن أبي بكر أن أبا العباس كان يعتذر منه، ويقول: هذا شيء كنا رأيناه أيام الحداثة، أما الآن فلا. وحدثنا أبو علي قال: كان أبو يوسف (66) إذا أفتى بشيء أو أملَّ شيئًا، فقيل له: قد قلت في موضع كذا غير هذا يقول: هذا يعرفه من يعرفه، أي إذا أنعم النظر في القولين وجدًا مذهبًا واحدًا" (67) .
ومن أمثلة الآراء المتضادة من العالم الواحد ما كان يراه أبو علي في"هيهات"إنها اسم فعل تارة، وإنها ظرف تارة أخرى، على قدر ما يحضره في الحال، وفي الفاصل بين (أما) وجوابها أنها تارة جملة شرط، وتارة اسم مفرد، و"هذا ونحوه من خلاج الخاطر وتعادي المناظر دعا أقوامًا إلى أن قالوا بتكافؤ الأدلة" (68) وهذا كما هو واضح يعود بنا إلى الدلالات المختلفة للفظة الواحدة، وهو ما تقدم في الفقرة الثالثة من أسباب اختلاف العلماء.
وسبب تغير الخاطر في رأي أبي علي أنه من عند الله، ولكنه لا يأتي أيًَّا كان، فلابد من أن يكون الإنسان مؤهلًا علميًا، يقول أبو علي:"إلا أنه لابد من تقديم النظر، ألا ترى أن حامدًا البقال لا يخطر له" (69) .