2 ـ 1: قد يكون للحكم الواحد علتان أو أكثر منهما، كرفع المبتدأ، فالبصريون يعتلون لرفعه بالابتداء، والكوفيون يرفعونه أما بالجزء الثاني الذي هو رافعه عندهم، وأما بما يعود عليه من ذكره على حسب مواقعه (32) ، وكذلك رفع الخبر، ورفع الفاعل، ويعقب ابن جني على هذا تعقيبًا عميق الدلالة وصريحها:"وعلى هذا باب معظم العربية" (33) .
2 ـ 3: وقد تدعو علتان مختلفتان إلى حكمين في الشيء الواحد، مثل إعمال أهل الحجاز ما النافية للحال، وإهمال بني تميم لها، والسبب أن أهل الحجاز كأنهم لما رأوها داخلة على المبتدأ والخبر دخول"ليس"عليهما، ونافية للحال نفيها إياها، اعملوها عملها إذ اجتمع فيها الشبهان بهما، أما بنو تميم فلما رأوهما حرفًا داخلًا بمعناه على الجملة المستقلة بنفسها، ومباشرة لكل واحد من جزأيها، أجروها مجرى"هل" (34) .
3 ـ 1: ويسمع الشيء فيستدل به من وجه على تصحيح شيء أو إفساد غيره، ويستدل به من وجه آخر على شيء غير الأول، مثل اتصال الضمير المنصوب بالمرفوع في نحو (أكرمته) فهذا موضع يمكن أن يستدل به على شدة اتصال الفعل بفاعله، ولكنه يفسد استدلال من قال: إن المفعول به إنما نصبه الفاعل وحده، لا الفعل وحده، ولا الفعل والفاعل جميعًا (35) .
3 ـ 2: وقد يرد شيء من اللفظ، فيجوز جوازًا صحيحًا أن يستدل به على أمر ما، وأن يستدل به على ضده البتة، وذلك نحو"مررت بزيد، ورغبت في عمرو"فالدلالة الأولى لهذه الأفعال الموصولة بحرف الجر أن الجار معتد من جملة الفعل الواصل به، لأن الباء في نحو"مررت بزيد"معاقبة لهمزة النقل في نحو"أمررت زيدًا". والدلالة الثانية هي أن حرف الجر جار مجرى بعض مجروره، لأنك تحكم لموضع الجار والمجرور بالنصب، فتعطف عليه بالنصب، فتقول:"مررت بزيد وعمرًا، ولأنه لا يفصل بين الجار والمجرور، وهكذا استخلصت من اللفظ الواحد دلالتان كلتاهما مقبولة في القياس (36) ."