أما أسباب اختلاف العلماء في نظر ابن جني، فلابد من الإشارة بادئ الأمر إلى أنه لا يطعن في خلق أحد من متقدميه، ولا في علمه، ولا يشك في نزاهة أحد منهم، ولا يردّ الخلاف إلى أسباب مزاجية أو عصبية أو سياسية، وهو يوثق متقدميه، ويصدق ما نقله السلف، ويبحث المشكلة بحثًا موضوعيًا من طبيعة اللغة العربية نفسها، وطبيعة العلل التي تتحكم في العلاقات اللغوية، والدلالات التي تحملها الألفاظ، وطبيعة البحث العلمي نفسه.
1 ـ 1: إن اللغة العربية التي استخلصت منها القواعد لم تكن لغة واحدة. ويحدث أن يجتمع في كلام الفصيح لغتان فصاعدًا (16) مثل اجتماع (سقى) و (أسقى) بمعنى واحد في بيت لبيد:
سقى قومي بني مجدٍ وأسقى نميرًا والقبائل من هلال
و"وفى"و"أوفى"في بيت طفيل الغنوي:
أما ابن طوق فقد أوفى بذمته كما وفى بقلاص النجم حاديها (17)
ومن ذلك قولهم (بغداد) و (بغدان) ، ويجوز أن تكون للقبيلة الواحدة لفظتان للمعنى الواحدة، متساويتان في الاستعمال، أو أن تستعيرها من قبيلة أخرى فتلحق اللفظة الدخيلة لطول الاستعمال باللفظة الأولى (18) .
ويروي ابن جني عن الأصمعي حكاية الرجلين اللذين اختلفا في"الصقر"أهو بالسين أم بالصاد، فتراضيا بأول وارد عليهما، فحكيا له ما هما فيه، فقال: لا أقول كما قلتما، إنما هو"الزقر"ويعقب قائلًا:"ألا ترى إلى كل واحد من الثلاثة كيف أفاد في هذه الحال إلى لغته لغتين أخريين معها، وهكذا تتداخل اللغات" (19) بل يفرد بابًا خاصًا لتركب اللغات (20) ، وبابًا خاصًا باختلاف اللغات وكلها حجة (21) وبابًا خاصًا في العربي الفصيح ينتقل لسانه (22) ويسمع لغة غيره، أيراعيها ويعتمدها أم يلغيها ويطرح حكمها (23) .
ولا يخفى على قارئ الخصائص تتابع الأبواب الثلاثة الأخيرة، وأن الباب السابق لها لا يبعد عنها كثيرًا، مما يؤكد إلحاح ابن جني على هذه المسألة.