2 ـ تتلمذه الطويل على أبي علي الفارسي، وأبو علي"قد خطر له وانتزع من علل هذا العلم ثلث ما وقع لجميع أصحابنا ـ يعني البصريين ـ" (7) . ولا عجب فقد أقام على هذه الطريقة ـ يعني طريقة القياس والعلل ـ مع جلَّة أصحابها وأعيان شيوخها سبعين سنة، لا يعتاقه ولد، ولا يخدم به رئيسًا" (8) ... وقد لازم ابن جني أبا علي منذ عام 337 هـ عام اجتياز أبي علي بالموصل إلى حين وفاة الأستاذ عام 377 هـ، وهي ملازمة لم تقتصر على التتلمذ، فقد غدا التلميذ ندًا لأستاذه، مستشارًا فيما يعرض للأستاذ من مسائل، على نحو ما نرى في مواضع كثيرة من الخصائص" (9) .
3 ـ نضوجه العلمي زمن تأليفه"الخصائص"وهو الكتاب الذي ألَّفه في أواخر عمره بعد وفاة أستاذه عام 377 هـ، أي بعدما بلغ ابن جني الستين من عمره، وقبل وفاته ببضعة عشر عامًا على الأكثر، وبعد فراغه من كتب هامة له، مثل سر الصناعة، وشرح تصريف المازني.
4 ـ تفكيره الموضوعي القائم على احترام متقدميه احترامًا عميقًا دون الخضوع لآرائهم، وما وصلوا إليه من نتائج. ويتجلى هذا الاحترام في تجنب أي إهانة لسابقيه مما نلحظه لدى العلماء المتأخرين من أمثال أبي حيان النحوي (ـ 745 هـ) وابن هشام الأنصاري (ـ 762 هـ) ويتجلى بوضوح أكثر فيما نورده من طريقة مناقشته لآرائهم، وتتجلى حريته الفكرية في مبدئه الصريح:"للإنسان أن يرتجل من المذاهب ما يدعو إليه القياس، ما لم يلو بنص، أو ينتهك حرمه شرع.. وإجماع أهل البلدين ـ يعني البصرة والكوفة ـ إنما يكون حجة إذا أعطاك خصمك يده ألا يخالف المنصوص والمقيس على المنصوص، فأما إن لم يعط يده بذلك، فلا يكون إجماعهم حجة عليه" (10) لأن النحو علم منتزع من استقراء هذه اللغة"فكل من فرق له من علة صحيحة، وطريق نهجةٍ كان خليل نفسه، وأبا عمرو فكره" (11) .