أما غوستاف لوبون في كتابة (حضارة العرب) فيورد هذه الفكرة ذاتها بأسلوب آخر فيقول: إن معلوماتنا المدرسية تلح على أن اليونان واللاتين وحدهم منبع العلوم والآداب في الزمن الماضي، وفي هذا جحود وأي جحود لتأثير العرب العظيم في تاريخ حضارة أوربا.
لاشك في أن التسليم بما جاء في صفحات التاريخ دون تمحيص، وتلقين الخطأ للأولاد، يعلمهم الحقد ويبني الكراهية بين الشعوب، في وقت تحتاج فيه كرتنا الأرضية إلى الفهم الصحيح للأمور ومقاومة الأخطار الماحقة التي تتهددها.
لقد قامت حروب طويلة منذ أقدم العصور، وما تزال هذه الحروب حتى يومنا الحاضر تشتعل هنا وهناك في العالم. وفي كل الحروب قتل المتحاربون بعضهم بعضًا ونهبوا وخربوا ـ على اختلاف عروقهم ومستوى حضارتهم ـ وهذه طبيعة الحروب البشعة، ولكننا إذا اكتفينا بهذا السرد فإننا نزيد من أوار البغضاء في العالم.. إن علينا حين نؤرخ أن نبدأ منذ أن ينتهي دور الحروب ويبدأ دور التنظيم فيحول المتحاربون نشاطهم إلى ميدان التنظيم والبناء، ويكون التمازج بين الحضارات والعروق.
ولاشك في أن الحضارة التي تنشأ من اتصال الشعوب المختلفة ذات الصفات المتباينة تكون فيها الغلبة لصفات الشعوب الوافرة العدد، غير أن تأثيرًا مهما ضؤل ـ للأقوام الأقل عددًا والأضعف حضارة ـ يبقى من جراء هذا الاتصال.
ومثل هذه الدراسة لحقائق التاريخ يجب أن توضع في سلسلة منطقية خاضعة لهدف نرمي إليه في تأويلنا، ألا وهو الكشف عن القيم الإنسانية في الماضي، والتي تتطلب الشرح والتأويل من أجل فهم الحاضر... وبهذا لا يعود التاريخ بمفهومه الحديث بحثًا عن الامتداد الزمني في الماضي بوصفه إطارًا لما وقع فيه من أحداث فحسب، ولكنه يصبح كشفًا عن القيم الإنسانية الحضارية التي تعقب هذه الأحداث وتحدد مدى تأثير العوامل التاريخية في التقدم الحضاري أو انحطاطه...