وتشاء الظروف أن يموت صديقه كافور، وأن يتعزز مركز الوزير ابن الفرات، فقبض على ابن كلِّس وحبسه، ولكنه لم يلبث أن فرَّ من سجنه، وتوجه إلى المغرب، حيث اتصل بالخليفة الفاطمي الإمام المعزّ لدين الله، فعطف عليه، وقربه، وأفرد له مكانًا بين مستشاريه، وهكذا ظلَّ موضع رعايته حتى تمَّ له فتح مصر، وعندما انتقل إلى القاهرة كان يعقوب معه، وتفسِّر بعض المصادر أنه منذ أن كان في خدمة كافور الأخشيدي بمصر كان على اتصال بالفاطميين في المغرب، يزودهم بكل شاردة وواردة عن أحوال مصر الداخلية والخارجية، وهناك من يقول ويذهب إلى أبعد من ذلك بأنه تجند لخدمة الفاطميين منذ أن كان في بغداد.
هذا... ومن الجدير بالذكر أن الإمام المعز لدين الله بعد أن استقر في مصر عيَّن ابن كلِّس وزيرًا على الخراج والحسبة وشؤون الأموال، فأظهر نشاطًا وخبرة لفتت الأنظار بسرعة، واكتسب ثقة الناس والخليفة معًا، مما جعله يوليه أخيرًا أمر النظر في كل شؤون الدولة. فأصبح الوزير الأول.
وبعد وفاة الخليفة المعز لدين الله تسلم العزيز بالله شؤون الخلافة، فقرب يعقوب وضاعف ثقته به، وكان قد وصل إلى درجة عالية في دراساته الإسلامية وخاصة الفقه الجعفري الفاطمي الذي أولاه اهتمامه وكرس له جهوده حتى أصبح فيه من الأعلام المرموقين.
وفي سنة 373 هـ. سجنه الخليفة العزيز بالله في قصره، وحظَّر على كل الناس الاتصال به ولكن هذا الغضب لم يدم طويلًا، فعفا عنه، وأمر أن يحمل من قصره إلى مقره الوزاري في احتفال مهيب تكريمًا له. وبعد أن ثبتت براءته من تهمة قتل القائد التركي"أفتكين (1) "بالسم.
ومهما يكن من أمر... فإن عودة يعقوب إلى منصبه الأول اعتبرت نجاحًا باهرًا ونقطة انطلق منها نحو المكانة والنفوذ والسلطان، مما لفت الأنظار، وجعل بعض المؤرخين يتبارون بمدحه كقولهم: