ويدرك حازم بطبعه المنطقي أن ثمة فجوات بين أغراض القصيدة، فحاول أن يجد رابطًا يربطها، ورأى أن يكون الانتقال من بعض الأغراض إلى بعض على النحو الذي يوجد التابع فيه مؤكدًا لمعنى المتبوع ومنتسبًا من جهة ما يجتمعان في غرض، ومحركًا للنفس إلى النحو الذي حركها الأول، أو إلى ما يناسب ذلك، وبذلك يكون أشد تأثيرًا في النفوس (39) .
ويحذر حازم، من وجهة نظر منطقية، أن يجمع الشاعر بين غرضين متضادين، كالحمد والذم أو الإبكاء والإطراب، وكان المعنيان متساويين في التناقض ظاهرًا وباطنًا مثل أن يحمد الإنسان شيئًا ويذمه من جهة واحدة، ويكون ظاهر الكلام يفيد الحمد والذم معًا، وكذلك باطنه (40) ، ويبدو أن مثل هذا التناقض يسيء إلى القصيدة من نواح عدة، أهمها ابتعاد الشاعر عن التجربة ابتعادًا كبيرًا.
وتقسم القصيدة، عنده، إلى أغراض، يتناول الشاعر في كل منها معنى مألوفًا، وترتبط هذه الأغراض ارتباطًا تأثيريًا، ويبدو أن تعدد الأغراض يسيء إلى وحدة كل عنصر على حِدَة وأن انتقال الشاعر من غرض إلى غرض يوهي الرابط المنطقي، وهذا ما حدا بحازم إلى أن يقول بالتأثيرية في الانتقال بين أغراض القصيدة.
ولما أدرك حازم الفجوات المنطقية بين أغراض القصيدة وجد التأثيرية رابطًا يسد هذه الفجوات، ودعواه ذلك أن"النفوس تحب الافتتان في مذاهب الكلام، وترتاح للنقلة من بعض ذلك إلى بعض، ليتجدد نشاطها بتجدد الكلام عليها" (41) .