وحدته منطقية، فالقصيدة تتألف، عنده، من أغراض، وتتألف الأغراض من فصول، وتتألف الفصول من أبيات. وهو يدعو إلى أمرين، أحدهما ارتباط أبيات كل فصل ارتباطًا منطقيًا، والآخر ارتباط فصول القصيدة ارتباطًا تأثيريًا. وهو يفتتح الكلام على الشعر ببدهيات غريبة عنه، ويتشدد في معاني الفصل الواحد حتى لينسى القارئ أن الكتاب في نقد الشعر، فهو يتحدث، مثلًا، عن الوجوه التي يقع بها التدافع بين المعاني، فيقول:"كل قول قصد به محاكاة شيء ونحَى بذلك منحى من الأغراض فإنه يجب ألا يتعرض فيه إلى ما هو أليق بمضاد الشيء المحاكى به وأخص به أو أخص بمناسب مضادِّة، وألا يتعرض في تخييل حال الشيء المحاكى به إلى ما هو أخص بحال مضاد ذلك الشيء أو مناسب مضاده، وألا يتعرض في القول وما دل عليه إلى ما هو أخص بمضاد الغرض الذي نحى به منحاه أو إلى ما هو أخص بمناسب مضاد ذلك الغرض، وألا يتعرض فيه إلى لفظ له عرف فيما يضاد المعنى الذي دل عليه أو الغرض الذي نحى به منحاه أو الشيء الذي قصده به محاكاته ولا إلى ما يناسب مضادات جميع ذلك، فإن التعرض في القول لما يضاد معناه ومدلوله وغرضه، أو إلى ما يناسب تلك المضادات، أو إلى ما له عرف في شيء من ذلك، ضروب من التدافع. (38) ."
وبعد هذا يدرك الباحث أن ما ذهب إليه حازم، فعلًا، هو البناء المنطقي في بنية القصيدة على الرغم من أنه كان يستهدف البناء الشعري، ويحتمل أن هذا الفهم لطبيعة المعنى الشعري يمهد لمفهوم الوحدة في القصيدة، وهو يلح على اقتران المعاني اقترانًا منطقيًا، يخضع لحركة المنطق أكثر مما يخضع لحركة الشعر، وهو يفترض أن الشاعر يفكر في معانيه بطريقة منطقية مع أنه يسلم بتمييز الشعر من المنطق كما يسلم بوجود دوافع ذاتية للإبداع، وهنا تكمن خطورة ما ذهب إليه، فهو، وإن حاول أحيانًا أن يخفف نظرته المنطقية، يؤكد ذهنية الشعراء، وتسيطر عليه أقيسة لا نجدها إلا في كتب المنطق الأرسطي.