أما وحدة الموضوع فمفادها أن تتناول القصيدة موضوعًا واحدًا لا تتجاوزه إلى غيره، كان تكون في الغزل أو الرثاء أو في قصة شعرية كاملة، على خلاف بعض شعرنا الذي يستوحي نموذج الهيكل القديم، وقد يكون للغناء دور في قصر القصيدة واقتصارها على موضوع واحد.
ويبدو للباحث مما سبق أو وحدة الموضوع غير الوحدة العضوية، فهما مفهومان مختلفان اختلافًا بينًا، فالوحدة العضوية مفهوم درامي يصلح للقصيدة ذات الحدث والحكاية والتي تقوم على الشخوص وفي حدثها تصاعد ونمو، ولذلك اختلط هذا المفهوم على نقاد الشعر الغنائي، وازداد اختلاطه حين كانوا يظنون أن الشعر الرومانسي الأوروبي الغنائي شبيه بشعرنا ، والحقيقة أن الشعر الرومانسي أعلى من الغنائية ولكن لم يخل من العناصر الدرامية، فكان شعرهم الغنائي مقترنًا بالنزعة الدرامية، ولذلك كان من الخطأ أن نطبق هذا المفهوم على نقدنا القديم لولا أن حازمًا كان معجبًا بأرسطو وقد تطرق إلى هذا الموضوع في كتابه"منهاج الأدباء وسراج البلغاء"تأثيرًا كبير وعلى الرغم من سوء ترجمة"فن الشعر"، فقد ظل لأرسطو تأثيرٌ في نقدنا القديم، فعد نقاد العرب وفلاسفتهم أرسطو معلمًا لهم، وأغرموا به"وقبلوا تفكيره، وانتفعوا به عندما انكبوا على تدوين علومهم" (9) ، وخصوه بأسماء تدل على مكانته عندهم مثل"المعلم الأول"و"الحكيم" (10) ، وربما كان القرطاجني أكثر النقاد القدامى تأثرًا بأرسطو، فقد ألمَّ بفلسفات سقراط وأفلاطون وأرسطو من خلال الترجمات العربية وبخاصة ترجمة ابن سينا (11) ، وإطلاع حازم على كتاب"فن الشعر"وواضح في"المنهاج"، يقول محمد الحبيب ابن الخوجة (12) : "ومن ينظر في تعريف حازم للشعر وبحثه في مقوماته الأصلية يلمس كبير تأثره بآراء أرسطو، فحازم من غير شك قد استفاد كثيرًا من مطالعته لكتاب"فن الشعر"للمعلم الأول..."