فهرس الكتاب

الصفحة 7486 من 23694

وللرحلة والراحلة، والربع والأطلال، ومغاني الأحبة والديار في شعر ابن خلدون أناشيد مؤثرة، تعبر عن طبيعة حياته التي قضى معظمها ما بين الحلِّ والترحال، وتشف عن دخيلة نفسه الصافية، وعواطفه الفياضة، كقوله (51) :

أمثِّلُ الربعَ من شوق فألثُمُهُ... وكيف والفكر يدنيه ويقصيني

وينهب الوجد مني كل لؤلؤة ... مازال قلبي عليها غير مأمون

سقت جنوني مغاني الربع بعدهم ... فالدمع وقف على أطلاله الجون

أحبابنا هل لعهد الوصل مدَّكر ... فيكم وهل نسمة منكم تحييني

أعندكم أنني ما مرَّ ذكركم ... إلا انثنيت كأن الراح تثنيني

وأنني ظاعنًا لم ألق بعدكم ... دهرًا أشاكي ولا خصمًا يشاكيني

ومن هنا فقد كان قالب القصيدة التقليدي المعروف في معظم الشعر الجاهلي والإسلامي، بمنهج أغراضه الذي رسم حدوده ابن قتيبة منذ زمان طويل من أنسب القوالب الشعرية التي يمكن أن تستوعب مشاعر ابن خلدون الشاعر الذي ارتبط شعره بالمدائح والمناسبات الرسمية، فوجد في هذا المنهج مجالًا رحيبًا للتعبير عن ذاته وعواطفه وأشواقه.

وقد يطول بنا الحديث عن هذا الشعر ويتشعب، وليست الغاية منه دراسة شعره وتحليله، وإنما التعريف به شاعرًا حجبته عنا مقدمته فلم تعد نرى منه سواها.

بيد أنها ـ وإن كانت من أعظم آثاره ـ فإن فيها جوانب كثيرة لم توف بعد حقها من البحث المعمق والدقيق، إذ طالما وجدنا الدراسات التي تتناولها تكاد تقتصر على الجوانب التاريخية أو الاجتماعية دون غيرها من الجوانب الأخرى التي يحيط بها هذا المشروع المعرفي العظيم، الذي ينطلق من إشكالية تاريخية خاصة ومحددة، ليتحرك بعد ذلك داخل منظومة فكرية عامة وشاملة، ويعالج من خلال الموضوع الخاص والمباشر، موضوعات أوسع وأعم، تبدو كأنها استطرادات وتداعيات، وهي في الحقيقة جزء لا يتجزأ من هذا المشروع المعرفي الكبير (52) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت