فهرس الكتاب

الصفحة 7485 من 23694

وذلك ديدن أشعاره التي خاطب بها الملوك والأمراء والوزراء مادحًا أو مستعطفًا، إذ نراه يستهلها بالتعبير عن نوازعه الذاتية وأشواقه، ويطيل في ذلك، ويبلغ الغاية من روعة التعبير وجمال التصوير، ورقة العواطف والشعور، ومن ذلك قصيدته التي بعث بها من السجن إلى أبي عنان مستعطفًا، وهي أول ما نعرف له من الشعر، ويقول في مطلعها (50) :

على أي حال لليالي أعاتب... وأي صروف للزمان أغالب

وقد وصف فيها حالة سجينًا، وشوقه حزينًا، وذكرياته غريبًا، وأبدع في وصف مشهد وداعه لأهله وأحبته قبل رحيله فقال:

ولم أنس الوداع وقد جرت... دموع وزمَّت للفراق ركائب

عشية بانوا والقلوب جوامد ... وكان عقيق في النواظر ذائب

وققنا ولا نجوى سوى بين أعين ... وشت بالهوى منها دموع سواكب

مضوا يزمعون السير إلا تلفتًا ... كما التفتت بين الأراك الربائب

وأتبعتهم طرفي وقلبي وما دروا ... بأني على آثار هذين ذاهب

بيد أن حرارة هذه القصيدة تخف كثيرًا حين تنتقل إلى المديح أبي عنان مديحًا تقليديًا يعتمد فيه على المبالغات والمعاني المألوفة، مما أفقد القصيدة شيئًا من قوتها فيقول:

إمام هدى ضاءت شموس اهتدائه... فبانت لنا من بينهن المذاهب

وأشرقت الدنيا بنور جبينه ... فما الشمس إلا إن بدا منه حاجب

إلا أنه سرعان ما يعيد إلى القصيدة رونقها وصفاءها حين يبتعد بها عن غيره، ويرتد بها إلى ذاته، فيصف غربته ورحلته وراحلته ويقول:

أبعد انتزاحي عن بلادي تحثني... إلى بابك الأعلى وَطِيٌّ شوارب

تجاذب عطفيها المراح فتنثني ... كما التفتت في الروض حسناء كاعب

رقمت بها في صفحة البيد أسطرًا ... كما زان رقمًا في الصحيفة كاتب

وجبت بها غور الفلاة ونجدها ... وليس سوى من ذنبها ما أصاحب

إلى أن حططت الرحل في ساحة العلا ... لدى بابك الأعلى كما حطَّ آيب

فكيف أولِّي شطر غيرك وجهة ... أؤمل منه نجعة أو أراقب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت