ليصل من ذلك إلى الحضرة النبوية فيمتدحها ويتشفع بها ويقول:
يا سيد الرسل الكرام ضراعة... تقضي مُنْى نفسي وتذهب حوبي
هب لي شفاعتك التي أرجو بها ... صفحًا جميلًا عن قبيح ذنوبي
ويختمها بالاعتذار من تقصيره في مدح نبيه فيقول:
قصَّرت في مدحي فإن يك طيبًا... فبما لذكرك من أريج الطيب
ماذا عسى يبغي المطيل وقد حوى ... في مدحك القرآن كل مطيب
ويمضي على هذا النمط الجميل في مدح الرسول الكريم، دون أن يخص مليكه وممدوحه إلا بأبيات قليلة، فتستحيل القصيدة إلى المديح النبوي الخالص، وتدخل في هذا الباب من أغراض شعره، شأنها في ذلك شأن قصائده الأخرى التي أنشدها في الموالد النبوية، وتعد من أجود أبواب شعره وأغراضه.
ومن الملاحظ أن جودة الشعر لديه مرتبطة إلى حد بعيد بمدى صلته بذاته، وتعبيره عن خلجاته وأشواقه، فإذا ما تحول إلى المديح نقصت عناصر جودته، وخفت حدة انفعالاته، وشحت موارد جماله، ولذا فقد وجدناه يطيل مطالع قصائده ويبدع فيها لصلتها القوية بذاته، بينما تضعف الروح الجمالية فيها حين يتحول بها إلى الغرض المرسوم لها وهو المديح، ومن ذلك قوله في أواخر قصيدته السابقة يمدح أبا سالم، وقد تخلص إلى ذلك تخلصًا عجيبًا إذ راح يتمنى الرحيل إلى الديار المقدسة فيقول:
يا هل تبلغني الليالي زورة... تدني إليَّ الفوز بالمرغوب
في فتية هجروا المنى وتعودوا ... إنضاء كل نجيبة ونجيب
ورثوا اعتساف البيد عن آبائهم ... إرث الخلافة في بني يعقوب
تخشى بوادرهم ويرجى حلمهم ... والعز شيمة مرتجى ومهيب
يا ابن الأُلى شادوا الخلافة بالتقى ... واستأثروك بتاجها المعصوب
لازلت مسرورًا بأشرف دولة ... يبدو الهدى من أفقها المرقوب