وكانت بعض هذه المناسبات في المولد النبوي، مما جعل المدائح النبوية غرضًا آخر من أغراض شعره، وأن شابه المديح في كثير من الأحيان. وقد حرص ابن خلدون على رواية معظم مدائحه النبوية، وهي من أجود أشعاره، وأصدقها عاطفة، وأقواها تعبيرًا عن دخيلة نفسه، وعمق الأثر الديني في ذاته.
وكان الاتجاه نحو هذا الغرض الشعري قد طغى على الشعر العربي طغيانًا مبينًا في عصره، منذ أن شرع باب القول فيه البوصيري (ـ 696 هـ) في بردته، ونهج سبيله فيها وعارضها عدد كبير من الشعراء يربو على المائتين، وشرحها عدد آخر، منهم ابن خلدون نفسه، ثم تطور هذا الغرض إلى البديعيات، وكان صفي الدين الحلي (ـ 750 هـ) من أوائل رواده في"الكافية البديعية"التي عارض فيها البردة وضمنَّها مائة وواحدًا وخمسين نوعًا من البديع، وسلك سبيله فيها عدد كبير من الشعراء.
وقد بدا أثر هذه المدائح والبديعيات في مدائح ابن خلدون النبوية دون أن يغرقها في لجة البديع، فخلصت بذلك من تلك القيود التي تكبلها، ولعل أول ما نلاحظه في هذه القصائد استهلالها بالغزل الصوفي الذي يعبر عن محبة الرسول (صلى الله عليه وسلم) كقوله في مطلع أحداها (49) :
أسرفن في هجري وفي تعذيبي... وأطلن موقف عبرتي ونحيبي
وأبين يوم البين وقفة ساعة ... لوداع مشغوف الفؤاد كئيب
يا ناقعًا بالعتب غلة شوقهم ... رحماك في عذلي وفي تأنيبي
ثم ينتقل من ذلك إلى الوقوف على الأطلال، والتشوق إلى ديار الأحبة في الحجاز، ويبدي قدرة فائقة في إحكام صلة هذا الجزء بسابقه وحسن التخلص والخروج من غرض لآخر فيقول:
ما هاجني طرب ولا اعتاد الجوى... لولا تذكُّر منزل وحبيب
أهفو إلى الأطلال كانت مطلعًا ... للبدر منهم أو كناس ربيب
ويركب الطريق إلى تلك الديار مرتحلًا: ويصف الأظعان والرحلة والراحلة فيقول:
يا سائق الأظعان تعتسف الفلا... وتواصل الإسآد بالتأويب
هلًا عطفت صدورهن إلى التي ... فيها لبانة أعين وقلوب