لا تسأل الأطلال إن لم تروها ... عبرات عينك واكفًا ممتاحا
فلقد أخذن على عيونك موثقًا ... أن لا يُرين مع البعاد شحاحا
ثم تقلبت به الأيام بعد ذلك قبل أن يعود إلى فاس سنة 774 هـ ويقيم فيها"أثير المحل، نابه الرتبة، عريض الجاه" (41) متفرغًا للعلم والتدريس دون أن نسمع له بشيء من الشعر إبان هذه الفترة.
إلا أنه سرعان ما يعود إلى غرناطة سنة 776 هـ، فيلقاه سلطانها بالبرّ والكرامة، ولكن حكام فاس يوغرون صدره عليه، لما كان من سعيه في خلاص صديقه لسان الدين ابن الخطيب من الحبس أو القتل، دون أن يفلح في ذلك، فغادر الأندلس أواخر هذه السنة نفسها، دون أن نسمع له بشيء من الشعر فيها.
وحل ابن خلدون بقلعة ابن سلامة في الجزائر، واعتكف فيها أربع سنوات كاملة، انكب أثناءها على تأليف العبر، وأكمل مقدمته سنة 779 هـ، وكاتبَ سلطان تونس يستأذنه بالعودة إليها، فقصدها سنة 780 هـ، ولقي السلطان في ظواهرها، فرحب به ورده إلى تونس، فبلغه بعد وصوله إليها أنه قد أصيب بمرض أعقبه شفاء، فبعث إليه بقصيدة يقول فيها (42) :
ضحكت وجوه الدهر بعد عبوس... وتجللتنا رحمة من بوس
يا ابن الخلائف والذين بنورهم ... نهجت سبيل الحق بعد دروس
لبقاك حرز للأنام وعصمة ... وحياة أرواح لنا ونفوس
وقد استقر به المقام في تونس، ولقي من سلطانها التكريم والترحيب واستدعاه لمجالسته، فأوغر ذلك صدر حساده، فَسَعْو اللإيقاع بينهما، فأعرض السلطان عنهم، وكلفه بالأكباب على تأليف كتابه، فأكمل منه نسخة رفعها إلى خزانته مشفوعة بقصيدة روى لنا منها واحدًا ومائة بيت، وقال في تصديرها:"وكان مما يغرونه به عليّ قعودي عن امتداحه، فإني كنت قد أهملت الشعر وانتحاله جملة، وتفرغت للعلم، فكانوا يقولون له: إنما ترك ذلك استهانة بسلطانك لكثرة امتداحه الملوك قبلك، فلما رفعت له الكتاب أنشدته هذه القصيدة امتدحه، وأعتذر من انتحال الشعر" (34) وفيها يقول: