وقد اقتصر منها على ذكر ثلاثة عشر بيتًا فحسب، ولم يذكر ابن الخطيب أو المقري شيئًا منها في جملة ما ذكرًا له من الشعر.
وأنشده في المولد النبوي سنة 765 هـ قصيدة أخرى طويلة روى لنا منها سبعة عشر بيتًا ومنها قوله في مطلعها (37) :
أبى الطيفُ أن يعتاد ألا توهُّما... فمن لي بأن ألقى الخيال المسلّما
أجِدَّ لي العهد القديم كأنه ... أشار بتذكار العهود فأفهما
عجبت لمرتاع الجوانح خافق ... بكيتُ له خلف الدجى فتبسما
ولم يطل به المقام في الأندلس، إذ سرعان ما أخذ الوشاة يوغرون صدر صديقه الوزير لسان الدين عليه حتى تنكر له، فعزم على الرحيل وقال في ذلك:"ثم لم يلبث الأعداء وأهل السعايات أن خيَّلوا للوزير ابن الخطيب... وحركوا له جواد الغيرة فتنكَّر... وجاءتني كتب السلطان أبي عبد الله صاحب بجاية بأنه استولى عليها واستدعاني إليه، فاستأذنت السلطان ابن الأحمر في الارتحال إليه، وعميَّت عليه شأن ابن الخطيب إبقاء لمودته" (38) .
ونزل بجاية سنة 765 هـ"فاحتفل السلطان لقدومي، وأركب أهل دولته للقائي، وتهافت أهل البلد علي، وكان يومًا مشهودًا" (39) ثم ولاه الحجابة على الاستبداد، إلى أن قتل السلطان سنة 767 هـ، واستولى ابن عمه أبو العباس على بجاية، فسلم له ابن خلدون، فأكرمه وأقره على ما كان عليه، ثم ارتاب منه وتنكر له، ففرَّ ناجيًا بنفسه إلى بسكرة، دون أن نسمع له بشيء من الشعر إبان هذه المرحلة على طولها، ويبدو أن شعره فيها قد ضاع أو لم يصل إلينا بعد.
على أننا نراه بعد ذلك وقد نزل تلمسان، واتصل بصاحبها أبي حمو موسى بن يوسف مادحًا، ولم يصل إلينا من شعره فيه سوى قصيدة يهنئه فيها بالعيد سنة 771 هـ، ذكر ابن خلدون أنها طويلة، لم يبق في حفظه منها سوى خمسة أبيات رواها في التعريف، ولم نجد أحدًا يذكرها فيما وقفنا عليه من مصادر، وفيها يقول (40) :
هذي الديار فحيهنّ صباحا ... وقف المطايا بينهن طلاحا