فهرس الكتاب

الصفحة 7477 من 23694

على أن ابن عمر لم يلن له، فطلب الأذن بمغادرة فاس إلى تونس، فمنعه من ذلك، فاستجار بالوزير مسعود بن ماساي، وأنشده:

أجرْني وليس الدهر لي بمسالم... إذا لم يكن لي في ذراك مقيل

فو الله ما رمتُ الترحل عن قلى ... ولا سخطة للعيش فهو جزيل

ولكن نأى بالشعب عني حبائبٌ ... دعاهن خطبٌ للفراق طويل

وقد روى لنا من هذه القصيدة ثلاثين بيتًا، ولم يزد عليها أحد شيئًا، يبدو أنها عدة أبياتها كاملة، وقال بعد روايتها:"فأعانني الوزير مسعود عليه حتى أذن لي في الانطلاق إلى الأندلس" (33) .

وقد قصد ابن خلدون الأندلس سنة 764 هـ، واختار غرناطة لما كان بينه وبين سلطانها ابن الأحمر ووزير ابن الخطيب من علائق الصحبة والمودة، وسوابق المعاونة حين كانا لاجئين في فاس، فأحسنا وفادته واستقباله، وقال في ذلك:"وقد اهتز السلطان لقدومي، وهيأ لي المنزل من قصوره، وأركب خاصته للقائي تحفيًا وبرًا ومجازاة بالحسنى... ثم نظمني في علية أهل مجلسه، واختصني بالنجيّ في خلوته... وسفرت عنه سنة 765 هـ إلى الطاغية ملك قشتالة" (34) .

وبعد خمسة أيام من حلول بغرناطة، صادف حلول ليلة المولد النبوي،"وكان يحتفل في الصنيع فيها وإنشاد الشعراء، اقتداء بملوك المغرب، فأنشدته ليلتئذ (35) :"

حيّ المعاهد كانت قبل تحييني... بواكف الدمع يرويها ويظميني

أن الأُلى نزحت داري ودارهم ... تحمَّلوا القلب في آثارهم دوني

وقفت أنشد صبرًا ضاع بعدهم ... فيهم وأسأل رسمًا لا يناجيني

وهي من أجود قصائده وأشعاره، روى منها ابن خلدون واحدًا وثلاثين بيتًا، وزاد عليها ابن الخطيب ثلاثة أبيات، وهي على ما يبدو أطول من ذلك.

وقد استقر به المقام في ظل صاحب غرناطة ووزيره، ولم يكن له من شغل سوى نظم الشعر في مديحه في المناسبات المختلفة ومن ذلك قوله في مطلع إحدى قصائده (36) :

صحا الشوق لولا عبرة ونحيب... وذكرى تجدُّ الوجد حين تثوب

وقلب أبي إلا الوفاء بعهده ... وأن نزحت دار وشطّ حبيب

فلا تعذلاني في البكاء فإنها ... حشاشة نفسي في الدموع تذوب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت