فكان ذلك آخر ما نعرف له من الشعر في المغرب، ولم نسمع له بعد ذلك إلا بقصيدة يتيمة قالها في مصر بعد استقراره فيها.
وعلى ذلك فإن بإمكاننا التفريق بين مرحلتين في حياته: تمثل الأولى ابن خلدون الشاعر الأديب وتبدأ مع مطلع حياته إلى حدود تأليف المقدمة والعبر وتستمر قرابة نصف قرن من الزمان، وابن خلدون العالم المؤرخ الفقيه المحدّث بعد ذلك.
ابن خلدون الشاعر:
وقد بدأ خلدون المرحلة الأولى من حياته كاتبًا وأديبًا شاعرًا على سنة أهل عصره من الكتَّاب والشعراء الطامحين إلى الرئاسة والمعالي، وجريًا على عادة أهل بيته الذين كانوا من النابغين في الأدب والشعر والسياسة، فكان أبوه أدبيًا ناقدًا"مقدمًا في صناعة العربية، وله بصر بالشعر وفنونه (22) "كما كان أخوه يحيى من شعراء عصره، روى له المقَّري وغيره أشعارًا كثيرة (23) .
وفي هذه المدرسة نشأ ابن خلدون، فأخذ بحظ وافر من الثقافة الأدبية وتلقى أصولها على أيدي كبار الشيوخ من الأدباء والشعراء والنقاد وعلى رأسهم والده الذي بدأ به قائمة شيوخه فقال:"تعلمت صناعة العربية على والدي، وعلى أستاتيذ تونس، ومنهم الحصايري: وكان إمامًا في النحو... والقصار وكان ممتعًا في صناعة النحو وله شرح على قصيدة البردة المشهورة.. ومنهم أمام العربية بتونس محمد بن بحر... وكان بحرًا زاخرًا في علوم اللسان، وأشار علي بحفظ الشعر، فحفظت كتب الأشعار الستة والحماسة للأعلم وشعر حبيب وطائفة من شعر المتنبي ومن أشعار كتاب الأغاني... وابن رضوان وكان من المفاخر في براعة خطه وكثرة علمه... وأحمد بن شعيب وكان له شعر سابق به الفحول... وإمامة في نقد الشعر.. والشريف السبتي إمام اللسان حوكًا ونقدًا في نظمه ونثره... وابن الحاج شيخ المحدِّثين والفقهاء والأدباء والصوفية والخطباء بالأندلس" (24) ، وغيرهم كثير من شيوخه الذين كان لهم أكبر الأثر في توجيهه وتفتح شاعريته.