وقال الشيخ إبراهيم الباعوني الدمشقي:"وكان ابن خلدون هذا من عجائب الزمان وله من النظم والنثر ما يزري بعقود الجمان (19) "، وقد أشار إلى ذلك كل من ترجم له أو ذكره من معاصريه أو من أتى بعدهم من المؤلفين، كما أشار ابن خلدون إلى اشتغاله بالشعر والكتابة والأدب إذ كان سلَّمه إلى الشهرة وارتقاء المناصب شأنه في ذلك شأن لسان الدين ابن الخطيب أديب العدوة الأندلسية وشاعرها كما كان ابن خلدون أديب العدوة المغربية وكاتب سلاطينها وشاعرهم منذ مطلع حياته إلى حين انهماكه في إنجاز مشروعه التاريخي الكبير ومقدمته، فنراه بعد ذلك يهمل الشعر ويقول بعد عودته إلى تونس حاملًا معه العبر ليقدمه إلى سلطانها مشفوعًا بقصيدة من شعره صدَّرها بقوله:"وكان مما يغرونه به عليّ قعودي عن امتداحه، فإني كنت قد أهملت الشعر جملة وتفرغت للعلم فكانوا يقولون له: إنه إنما ترك ذلك استهانة بسلطانك لكثرة امتداحه الملوك قبلك... فلما رفعت له الكتاب أنشدته هذه القصيدة أمتدحه وأعتذر عن انتحال الشعر" (20) وفيها يقول:
مولاي غاضت فكرتي وتبلدت... مني الطباع فكل شيء مشكلُ
وأجدُّ ليلي في امتراء قريحتي ... وتعود غورًا بينما تسترسلُ
فأبيت يعتلج الكلام بخاطري ... والنظم يشرد والقوافي تجفلُ
من بعد حول انتقيه ولم يكن ... في الشعر حوليّ يعاب ويهملُ
فأصونه عن أهله متواريًا ... أن لا يضمَّهم وشعري محفلُ
وبنات فكري إن أتتك كليلة ... مرهاء تخطر في القصور وتخطُلُ
فلها الفخار إذا منحتَ قبولها ... وأنا على ذاك البليغُ المقولُ
وكان قد خاطبه بقصيدة أخرى أشار فيها إلى ذلك وفيها يقول (21) :
واليكها مني على خجل بها... عذراء قد حليت بكل نفيس
عذرًا فقد طمس الشباب ونوره ... وأضاء صبح الشيب بعد طموس
أنحى الزمان عليّ في الأدب الذي ... دارسته بمجامع ودروس
فسطا على وفري وروَّع مأمني ... واجتثَّ من دوح الشباب غروسي