ومهما يكن من أمر هذا الاهتمام الواسع والمستمر بابن خلدون ومقدمته، وما يمكن أن يكون وراءه من دوافع وأسباب، فقد حجب عنا ابن خلدون فلم نعد نرى منه سوى مقدمته، مع أنها آخر ما ظهر لنا من تأليفه وكتبه وآثاره، إذ شرع في تأليفها أثناء اعتزاله في قلعة ابن سلامة طوال أربع سنوات، وانتهى من وضع مسودتها سنة 779 هـ وقال في ذلك:"أتممت هذا الجزء الأول [المقدمة] بالوضع والتأليف قبل التنقيح والتهذيب في مدة خمسة أشهر... وكنت طوال هذه المدة عاكفًا على تأليف هذا الكتاب [العبر] (13) ثم أكمل منه نسخة رفعها إلى سلطان تونس مشفوعة بقصيدة من شعره سنة 784 هـ، وهي السنة التي غادر فيها بلاد المغرب إلى غير ما رجعة متوجهًا إلى مصر، وكان إذ ذاك قد جاوز الخمسين من عمره، وكانت شهرته قد طبقت آفاق المغرب والأندلس، ووصلت أصداؤها القوية إلى المشرق، وهي قائمة أساسًا على شاعريته الفذة، وحسن أدبه وترسله، وجودة تآليفه وكتبه."
وكان قد ألَّف أول كتبه سنة (752 هـ) ولَّما يكمل العشرين من عمره، إذ عمد إلى تلخيص المحصل لفخر الدين الرازي وسمَّاه"لباب المحصل"، ووضع في التصوف كتاب"شفاء السائل"وقام بتلخيص كتب ابن رشد، ووضع كتابًا في الحساب، وتقييدًا في المنطق، وشرح أرجوزة صديقه لسان الدين ابن الخطيب أصول الفقه،"وشرح القصيدة المسماة بالبردة [للبوصيري] شرحًا دلَّ فيه على انفساح ذرعه، وتفنن إدراكه، وغزارة حفظه (14) "كما يقول ابن الخطيب صاحبه، ثم قام بتأليف العبر ومقدمته وذيله: التعريف بابن خلدون، وهو من الكتب التي تدخل في باب السيرة والترجمة الذاتية بحسب مفاهيمنا المعاصرة، كما ذكرت له رسالة في"وصف بلاد المغرب (15) "كتبها لتيمورلنك أثناء لقائه به في دمشق بعد ذلك بزمن طويل.