واستطاعت بعض المغنيات أن توجد لذاتها طريقة متميزة ومدرسة خاصة يأخذ عنها الآخرون، فجميلة السلمية (35) التي كانت أعلم المغنيات في العصر الأموي أخذ عنها معبد وابن عائشة وغيرهم كثيرون. وكان معبد يقول (أصل الغناء جميلة وفروعه نحن، ولولا جميلة لم نكن نحن مغنين) .
كما قال عنها أبو خليفة (لا يشك في فضيلتها في الغناء ولم يدع أحد مقاربتها في ذلك وكل مكي ومدني يشهد لها بالفضل) . فكانت تعلم الغناء لمن هو راغب فيه، ولم تغن لأحد إلا في منزلها. ولم يمنع الغناء المغنيات عن العبادة وأداء الواجبات الدينية فجميلة السلمية أدت فرائض الحج برفقة مغنين وجماعة من الأشراف. وخاتون (36) المغنية أقامت مسجدًا في دمشق سمي باسمها.
المرأة والتربية:
عملت المرأة العربية في بلاد الشام مربيةً لأولادها وأفراد أسرتها، كما شاركت الإماء والجواري في تربية أولاد الأسر التي وجدت فيها.
وكانت المرأة تهتم بتربية الأبناء وفق القيم الشائعة والمبادئ التربوية السائدة، ولم تكن لتعمل في المجال التربوي كاختصاصية وإنما يلحظ المتقصي لتلك الفترة أن بعض النساء تميزن بإتقانهن طرائق تربوية صحيحة جعلت الآخرين يثقون بهن ويكلفونهن بتربية أولادهم أمثال قَبول بنت عبد الله (37) التي كانت مولاة المستنجد بالله والتي تمتعت بنفوذ وسلطان وأشرفت على تربية قطب الدين قيماز وسنقر الصغير.
وأمثال هجيمة بنت حيي الأوصابية الدمشقية (38) والتي تكنى بأم الدرداء الصغرى حيث تميزت بإتقانها الفقه وربطها العلم بالعمل وحسن روايتها الحديث وقد أخذ عنها الكثيرون أمثال مسلم وأبو داوود والترمذي وابن ماجه وغيرهم، ومن أقوالها التربوية:
ـ أفضل العلم المعرفة.
ـ تعلموا الحكمة صغارًا تعملوا بها كبارًا.
ـ إن كل زارع حاصد ما زرع من خير أو شر.
وكانت تحض على العمل وتقول: (ما بال أحدكم يقول اللهم ارزقني وقد علم أن الله لا يمطر عليه من السماء دينارًا ولا درهمًا) .