ومن العسير على المرأة آنذاك وما تؤديه من واجبات متعددة أن يتحقق لها ذلك، ومع هذا نلحظ أن البيئة في العصر العباسي قد يسرت لبعض النساء الظروف المساعدة والمناخ المناسب للتأليف. فقد قامت فاطمة بنت محمد بن أحمد السمرقندي (8) بتأليف كتب عديدة في الفقه والحديث اعتمدتها في تدريسها لطلابها، ولم تكتف بأن تجعل محتوى الكتب يدور حول العلوم النقلية وما تداوله الرواة بل تحلت كتبها بنظرات إبداعية تجديدية، واتصفت فتاواها بالأمانة العلمية، حيث حرصت ألا تخرج أي فتوى ألا موثقة بخطها وخط أبيها وخط زوجها.
ولتضلعها في المسائل الفقهية وتبحرها فيها جعلها الملك العادل نور الدين الشهيد مستشارة له في بعض الأمور الداخلية والمسائل الفقهية.
ولم يكن تأليف الكتب قصرًا على المرأة الحرة بل استطاعت بعض الجواري أن يسهمن في التأليف، فقد تميزت لبنة جارية (9) الخليفة الحكم بن عبد الرحمن بالكتابة في مجال الشعر والنحو والحساب والعروض.
المرأة وتكريم العلماء:
إن وجود العلماء في أمة ما يعطيها حقها في إثبات الوجود والأصالة وتفرد الشخصية بين الأمم الأخرى، وتقوَّم الدول بما تملك من علماء ومبدعين، مما يجعلها تحرص على توفير المناخ المناسب للنشاط العلمي وتأمين الحوافز المناسبة المادية منها والمعنوية لهم، ليجتهدوا في العلم الراغبين فيه.
وقد أسهمت المرأة في العصرين الأموي والعباسي بتكريم العلماء، حيث باعت فاطمة بنت محمد بن أحمد السمرقندي (10) سواريها لتقدم الفطور في كل ليلة من ليالي رمضان للعلماء والفقهاء.
المرأة والتصوف:
شهدت تلك الفترة إلى جانب المحدثات الفقيهات والواعظات نساء صالحات قانتات عابدات متصوفات تمتعن بالجرأة في إعلان مبادئهن والمغالاة فيها في كثير من الأحيان والتضحية في سبيلها.
ولم يكن تصوف أكثرهن عن جهل، فقد تمتعن بالفصاحة والبيان وربط التصوف لديهن بالقيم الإنسانية والتربوية.