ونظام المدينة الفاضلة والأمة الفاضلة والمعمورة الفاضلة كنظام البدن التام السليم الصحيح الذي يتعاون أعضاؤه كلها على تتميم حياته وعلى حفظها عليه. ثم يستمر في هذا التشبيه البيولوجي ويشرح به النسق الاجتماعي. ففي البدن القلب وأعضاء تقرب مراتبها من ذلك الرئيس وكل واحد فيها جعلت فيه قوة يفعل بها فعله ابتغاءً لما هو بالطبع غرض ذلك العضو الرئيس وأعضاء أخرى فيها قوى أخرى متمايزة ولكنها متفاوتة ومتضامنةـ كذلك ترتيب المجتمع بحيث يكون الرئيس فيلسوفًا أو نبيًا أو جملة من الفلاسفة والحكماء وبحيث يؤدي الإنسان في المجتمع الفاضل عمله أداءً تامًا ويقوم فيه بما يحسن على غرار ما يجري في البدن من انسجام في وظائف أعضائه ونسجه. هذا ومن المناسب أن ننوه بأن اللغة العربية ربطت بين الحكم والحكمة والحكماء والحكام فجعلت هذا الألفاظ كلها من أصل واحد إشارة إلى لزوم الحكمة في إدارة الدولة. كذلك يجدر الإيحاء في تشبيه المجتمع بالبدن إلى ما يسبق به الحديث الشريف:"مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى". ولا يخفى أن يترتب على التفصيل في هذا التشبيه قضايا سياسية واجتماعية متعددة تتعلق بنظام الحكم وشكل الرئاسة وحكم النخبة المختارة والتماسك الاجتماعي والطبقات الاجتماعية وأمور التخطيط وكلها يمكن أن تشتق من هذا المذهب العضوي الاجتماعي.