ومهما كان من أمر فإن الفتى الفارابي عكف في مسقط رأسه على دراسة طائفة من العلوم والفلسفة واللغات بالإضافة إلى لغته التركية، فدرس العربية والفارسية واليونانية ثم انتقل به أبوه إلى العراق واستوطن بغداد حيث أتم دراساته العلمية والفلسفية واللغوية ثم انتقل فيها على أبي بشر متى بن يونس من أشهر مترجمي الكتب اليونانية ومن أبرز الباحثين في الفلسفة والمنطق."وله إذ ذاك صيت عظيم وشهرة وافية ويجتمع في حلقته كل يوم المئون من المشتغلين بالمنطق"كما يقول ابن خلكان. ثم"ارتحل إلى مدينة حران وفيها يوحنا بن حيلان فأخذ عنه طرفًا من المنطق أيضًا، ثم إنه قفل راجعًا إلى بغداد، وقرأ بها علوم الفلسفة وتناول جميع كتب أرسطاطليس، وتمهَّر في استخراج معانيها والوقوف على أغراضه فيها"كما جاء أيضًا في كتاب"وفيات الأعيان". وكذلك درس في بغداد العلوم العربية على ابن السراج وأتيح له فيها أيضًا إتمام دراساته في الرياضيات والطب والموسيقى ووصل في هذه الميادين خاصة في الفلسفة إلى القمة وإلى درجة من النبوغ عالية، فطبقت شهرته الآفاق. اهتم بفلسفة اليونان ولاسيما كتب أرسطو فشرحها وعلق عليها تعليقات كثيرة بعبارات حسنة وإشارات لطيفة واصطلاحات عربية مناسبة و"تفهيم المعاني الجزلة بالألفاظ السهلة"حتى إنه لا يعتبر في رأينا شارحًا بل معقبًا ومتممًا فأطلق عليه لقب"المعلم الثاني"كما كان يطلق على أرسطو"المعلم الأول". وليس شيء أدل على تبسيط الفارابي أبي لفلسفة اليونان وإيضاحها مما ذكره ابن سينا في ترجمته هو لنفسه إذ قال:"وانتهيت إلى العلم الإلهي، وقرأت كتب ما بعد الطبيعة. فما كنت أفهم ما فيه، والتبس علي غرض واضعه، حتى أعدت قراءته أربعين مرة وصار لي محفوظًا وأنا مع ذلك لا أفهمه ولا المقصود به، وأيست من نفسي وقلت: هذا كتاب لا سبيل إلى فهمه."