ثالثًا- لقد رأى الأساس المتين الذي تقوم عليه الدولة؛ وهو العصبية. ونظريته في العصبية تفسر لنا تفسيرًا مرضيًا قيام الدولة ورسوخها وزوالها، بالنسبة إلى الأزمنة القديمة، ولا سيما المجتمعات البدوية. لكن هذه النظرة تظل صادقة في العصر الحديث، وفي المجتمعات المتحضرة، إذا استبدلنا بالعصبية القبلية الحزب السياسي. والحقيقة أن علاقة أفراد الحزب السياسي بحزبهم في الدول الحديثة شبيهة بعلاقة أبناء العصبية بصاحب العصبية في الدول القديمة. وما الفرق بينهما إلا في تبلور بعض الأفكار السياسية، كالحرية والعدالة مثلًا؛ وهما فكرتان لم تكونا واضحتين في عصر ابن خلدون تمامًا؟ نظرًا لطبيعة الحكم في الدول الشرقية؛ ولأن هاتين الفكرتين نتيجة للتطورات السياسية والاجتماعية التي مرت الدول بها، ولا سيما الغربية منها، بعد ذلك.
رابعًا- لقد ربط بين السياسة والاقتصاد، كما ربط بين الاقتصاد والاجتماع؛ وهو محق في هذا الربط تمامًا. وقد أتت الماركسية بعده بخمسة قرون؛ لتبين ذلك وتثبته. لكنه رأى أن تجارة السلطان مؤدية إلى فساد العمران، واضمحلال الدولة، بما تفرضه من ظلم على الرعايا الذين يقعدون عن العمل والكسب، لذهاب آمالهم في كسبهم، ونتيجة منافسة السلطان لهم فيه. وهذا صحيح إذا افترضنا أن السلطان يقوم به لصالحه وصالح العائلة المالكة أو الحاشية، كما كان يحدث في عصر ابن خلدون والعصور السابقة. لكنه غير صحيح، إذا كان بإشراف دولة عصرية تريد أن توجه اقتصادها في إطار مصلحة المجموع ولخيره.
خامسًا- لقد كشف ابن خلدون عن قانون اجتماعي وسياسي خطير، صادق في كل زمان ومكان؛ حينما بيَّن أن ظلم السلطان الذي يقع على المصر الذي يحكمه، يتناسب عكسًا مع سعة هذا المصر. وقد تحدث عن ذلك، وهو بصدد الحديث عن تجارة السلطان وأثرها في الإضرار بمصالح الرعايا، وقعودهم عن الكسب.