وربما كان الرازي شديد الإعجاب بحنين وربما لم يكن كذلك، إلا أنه لم يكن أمام خيار آخر، فإنه لم يظهر قبل الرازي مؤلف في الطب العربي بعظمة حنين، وهذا ما يفسر اعتماد الرازي على حنين، ونجد هنا أن الرازي نقل بعض الفقرات حرفيًا عن حنين.
والثاني: إن مؤلف هذه الرسالة خصص بحثًا مستقلًا لحركة الحدقة وتأثرها بالنور والظلمة، هذه الظاهرة الغريزية التي كان محمد بن زكريا الرازي أول من أشار إليها (107) .
والثالث: إن المؤلف اختار من بين المعالجات العديدة الموصوفة لكل من أمراض العين علاجًا واحدًا يراه هو، فكأنه اطمأن إليه نتيجة لخبرته وطول ممارسته. وهذا السلوك في تصنيف الكتب لم يكن مألوفًا، فقد حرص المؤلفون على جمع الوصفات الموروثة الواردة في كتب أساتذتهم. ونحن لا نعرف قبل عمار بن علي الموصلي (108) ، مؤلفًا يمتاز بهذه الجرأة (109) إلا الرازي الذي يعتد برأيه الخاص المبني على طول الممارسة العملية، والتجربة.
فإن لم يكن مؤلف هذه الرسالة هو الرازي فهو طبيب عاش بعد الرازي وقبل علي ابن عيسى: كتب كتابه بعد ظهور كتابات الرازي عن الحدقة، وقبل ظهور كتاب (تذكرة الكحالين) ، ومارس طب العيون طويلًا وأصبح واثقًا من نفسه إلى درجة الجرأة بحيث أنه اختار لمشجرته أسلوبًا جديدًا في التصنيف جامعًا الأسباب والعلامات معًا، ومتجاوزًا أسلوب حنين. ولأننا لا نعرف في هذا العصر مؤلفًا اجتمعت فيه كل هذه الصفات لذلك فإننا لم نجد أي مبرر لأن نشك في نسبة هذه الرسالة إلى الرازي.
وقد سبق أن عرضنا محتوى (المشجرة) بشيء من التفصيل (110) وتحدثنا عن أهميتها في تاريخ طب العيون العربي (111) ، وقلنا رأينا في أنها من كتب الرازي التي لم يذكرها أصحاب كتب التراجم العربية، وإنما وقعت بين يدي خليفة بن أبي المحاسن فذكرها في مطلع كتابه، وفي ذكرها هذا تأكيد لأهميتها باعتبارها أحد المراجع التي اعتمد عليها في تأليف (الكافي في الكحل) .
موسى بن سيار