إن هذه المعلومات المتعلقة بالأنبياء والسحرة والكهنة والفلاسفة، وعلاقتهم بعلم الفلاحة، جعلت المستشرقين، أمثال رينان وغيره، يهتمون بالدرجة الأولى بتاريخ كتابة الفلاحة النبطية. وبما أن الباحثين جميعهم من اليهود أو المسيحيين الغربيين، لذلك سعوا للمقارنة، ولإيجاد الصلة، بين ما جاء في كتبهم المقدسة، ومؤلفات اليونان والرومان وبين ما جاء في كتاب ابن وحشية. وكانت آراؤهم متضاربة جدًا كما ذكرنا سابقًا.
مما لا شك فيه أن كتاب الفلاحة النبطية هو كتاب مترجم من السريانية، جمعت فيه معلومات وردت في مؤلفات قديمة، ذكر أسماء بعضها ابن النديم في كتاب الفهرست.
وهي من مخلفات أقوام شتى قطنوا بلاد الرافدين وأرض الشام ومصر.
وقد اختلطت أفكارهم بنظريات وأفكار يونانية ورومانية وفارسية، بحيث أصبح من المتعذر تحديد التاريخ الصحيح لتأليف كتاب الفلاحة النبطية.
لقد كانت العداوة متأصلة بين سكان بابل، من كنعانيين وآشوريين وكلدانيين وأنباط، وبين اليهود. لهذا لم يأت ابن وحشية على ذكر اليهود في كتابه. أما المسيحيون فقد ورد ذكرهم، تلميحًا لا تصريحًا، عند الكلام عن القديس جرجيس، وكذلك عند الكلام عن البرهان والزهاد، الذي كانوا يلبسون المسوح، ويلجؤون إلى الصوامع، أو يجوبون البلاد، دون أن يقوموا بعمل ممتج. وينطبق هذا القول على زهاد النبط والهنود والنصارى والمسلمين المتصوفين.
ط)مما لا شك فيه أن مؤلف كتاب الفلاحة النبطية كان متأثرًا بأفكار الفلاسفة والأطباء اليونان، فقد أعاد قول أبقراط العلم أساسه القياس والتجربة. واعتنق نظرية الكون والفساد التي تكلم عنها أرسطو. كما تكلم عن الاستعمالات الطبية المختلفة لعدد كبير من النباتات. وعدد أسماء بعض الأمراض التي يصاب بها البشر وقارنها مع أمراض النبات.