وسواء أكان الشاعر جبري من خلال الأشعار المتقدمة قاصدًا إلى معارضة الشعراء أحيانًا أم كان ذلك منه عفو القريحة في أحيان أخرى، فإن هذا التشابه بين بعض قصائده وقصائد الشعراء السالفين إنما ينم على تأثر الشاعر بالذين تقدموه تأثرًا واسعًا، تبعًا لطول معاشرته لهم وامتداد عيشه في جوائهم. وطبيعي لدى شاعر مثل شفيق جبري تشبَّع بتلك النماذج الأدبية الأصيلة في الشعر العربي، أن تختلط المعالم أحيانًا كثيرة بين شعره وشعر الأقدمين، وأن تبدو مياسمهم جلية في قصائده، بعد أن امتزج أسلوبه بأسلوبهم امتزاج الماء بالراح، فإذ هو يتصرف على هذا الصعيد ويمتح من معينه ما طاب له سواء أقصد إلى ذلك أم لم يقصد.
والشاعر شفيق جبري، وإن لم يسع عامدًا على الدوام إلى معارضة الآخرين والنسج على منوالهم في كل حين، إلا أنه دأب على مجاراتهم في طبيعة أساليبهم حتى غدا وكأنه واحد من فحولهم. كما كانت له في الوقت نفسه خصوصيته ومنحاه فيما عدا ذلك، تبعًا لذاته الفنية المتفردة من جهة ولمؤثرات بيئته وعصره من جهة أخرى.
ولعله بوسعنا، في خاتمة المطاف، أن نرجع معظم ما لمسناه في شعر جبري من احتذاء وتقليد واستلهام ومعارضة..، وما إلى ذلك من درجات التأثر الفني، إلى معنى واحد عريض هو الانجذاب، انجذاب الشاعر جبري إلى روائع الشعر العربي.
ولكن ما درجة هذا الانجذاب، ومن ثم ما طبيعته؟ إنه في واقع الأمر لم يكن في جميع الأحوال مطردًا أو جاريًا على نسق واحد.
كذلك ما طبيعة هذا الانجذاب، ومن ثم ما هي درجته من القرب أو البعد تجاه الأعمال الأدبية السالفة؟