ومجمل القول أن الشاعر المعارض حين يؤثر لنفسه إطارًا يماثل ما وجده لدى شاعر آخر، فيختار لنفسه وزنًا بعينه يعجبه وقافية بعينها تروقه، إنما يقوم في محاولته هذه بنوع من التجريب الرفيع، ويعمد إلى اختبار مدى قدرته وإبداعه في مضمار الفن، بل إنه يمارس نمطًا من التصدي الأدبي يطمح من خلاله إلى تحقيق ذاته وإثبات جدارته. إنه في هذا الصدد أشبه بالفارس المعلم الذي يتيه بشخصيته ويعتد بمهارته، فيعمد أيضًا إلى اختيار سلاح يعادل سلاح من يباريه ويماثله. فكما أن ذلك السلاح المقابل لا يقلل من شأن المبارز المتصدي، فإن النظم أيضًا على نسق شعري معين لا يضر الشاعر ولا يحط من قدره، إذ ليس البحر العروضي أو القافية وقفًا على شاعر بعينه وحكرًا له. وكم من وزن بعينه تم عليه نظم أروع الشعر وأسخفه معًا.
إن العمدة كلها في الساعد المبارز وبراعة صاحبه، كذلك الشأن كله في اقتدار الشاعر ومبلغ مهارته.
ولعل ظاهرة المعارضة في تاريخ الأدب العربي من أبرز الظواهر التي تميز هذا الأدب في سائر الآداب. وهي لا تعني دومًا الاحتذاء والتقليد بقدر ما تعني المباراة والمنافسة. بل إنها قد تعني في بعض الأحيان التحدي والمبارزة، كما كان شأن أشعار النقائض لدى الشعراء المتهاجين في العصر الأموي. فلا غضاضة على شاعر أن يروقه وزن أو تعجبه قافية فيعمد إلى صوغ قصيدته على مثال سابق، ويبقى في الوقت نفسه محتفظًا بذاتيته. وهذا ما درج عليه كثير من الشعراء في مستهل العصر الحديث، من مثل محمود سامي البارودي وأحمد شوقي وحافظ إبراهيم في مصر، وجميل صدقي الزهاوي ومعروف الرصافي، وعبد المحسن الكاظمي في العراق، وخير الدين الزركلي وخليل مردم وشفيق جبري في الشام.