وهذا التشابه الشديد، على غرابة أمره، لاحظه النقاد العرب قديمًا، ولم يجدوا فيه وفي أمثاله ضيرًا، بل إنهم عدوه أمرًا قد يقع في الشعر، وظاهرة قد تعرض في الأسلوب، وهذا ما كانوا يسمونه"المواردة" (110) ، أو ما نسميه أيضًا توارد الخواطر، أو وقوع الحافر على الحافر. وإنه لمما يروى في هذا الصدد أن بعضهم استغرب في الماضي صدور ذلك الأمر عن شاعر كبير مثل طرفة وتجاه شعر ذائع طالما لامس مسامع العرب كشعر امرئ القيس. فأتوا طرفة، واستحلفوه حول جلية الأمر، فأقسم أنه لم يسمع قط بذلك البيت، وحينئذ أحسنوا به الظن، وعدوا شعره من باب المواردة.
أليست اللغة في جملتها ظاهرة مكتسبة، يبدأ الوليد برضاعها مع لبن أمه، ثم ترفدها من خلال مجتمع الأسرة الصغير، ومن ثم سائر المجتمع الكبير، عناصر جديدة تتنامى مع الأيام، وتغدو رصيدًا غنيًا لدى الإنسان، هذا الحيوان الناطق... ولو كان بوسع أحد أن يرجع كلام المرء إلى مصادره وأصوله الأولى، ويرده إلى أصحابه المعنيين، لهاله ألا يبقى بين يديه سوى النزر اليسير.
ومن المعهود أن هذه الظاهرة تشتد في طور التفتح والحداثة ومرحلة التقليد والاحتذاء، حين تمضي شخصية الأديب في طريق الاكتمال والنضج. يضاف إلى ذلك أن الذاكرة تكون غضة في طور الصبا شأنها كشأن الأرض العطشى، إذ تكون حسنة التقبل للماء سريعة التمثل له.