والمعارضة نفسها أمر نسبي لا يعني بصورة مطلقة عملًا محددًا ذا سمات ثابتة، كما أنها ليست بالضرورة شكلًا من أشكال المحاكاة. وفي الوقت نفسه فإن الشاعر المعارض ليس بالضرورة أيضًا أقل شاعرية من الشاعر الذي يضعه في مواجهته، أو أن شعره في منزلة أدنى من شعره. كذلك ليس من المحتم أن يكون الشاعر السابق أشعر من اللاحق. ومثال ذلك أحمد شوقي حين عارض بعض الشعراء السالفين، ولا سيما من عاشوا في عصور الانحدار، وكان هو أشعر منهم، وقد سابقهم في كثير من قصائدهم فسبقهم.
والفيصل في هذا المجال هو النقد التحليلي الدقيق الذي يعتمد على الموازنة بين العملين الأدبيين المعنيين.
وإذا كان هذا شأن المعارضة في الشعر فهي لا ترتبط إذن بمرحلة معينة من حياة الشاعر بل قد تصاحبه في سائر مراحل حياته.
ولما كانت اللغة في الوقت نفسه، وفي جملتها لغة الشاعر، شيئًا مكتسبًا، غدا في وسعنا القول إنه لا يبعد أن تطل في بعض قصائد الشاعر، أي شاعر، جمل بل أشطر تسربت إلى قريحته من شاعر سواه، فرقدت حينًا من الزمان في ضميره، ثم فاضت على لسانه دون أن يشعر بالذي له من اللفظ والذي ليس له أصلًا. إذ كثيرًا ما تختلط عبارات المرء بعبارات أخرى حفظها لغيره، برغم امتداد الزمان وانبساط المكان وانقطاع الأواصر. وكثيرًا ما يحدث التداخل بين هذه العبارات وتلك ويختلط بعضها ببعض، فلا يستطاع التمييز بينها. وقد فطن النقاد القدامى إلى إمكان وقوع ذلك في الأدب، ولا سيما حين تكون اللغة مشتركة والبيئة واحدة والأحوال متشابهة، وهذا ما كان لدى بعض كبار الشعراء الجاهليين الذين تقاربت ألفاظهم وتداخلت عباراتهم، حتى كادت تبلغ حد التماثل. مثال ذلك قول امرئ القيس في معلقته:
وقوفًا بها صحبي عليّ مطيَّهم... يقولون لا تهلك أسى وتجمَّل
وقول طرفة بن العبد في معلقته:
وقوفًا بها صحبي علي مطيهم... يقولون لا تهلك أسى وتجلَّد