وفي رأينا أن الشاعر جبري كفانا وكفى النقد عبء التخمين والافتراض حول هذا الموضوع. إذ أننا لا نعول كثيرًا على الاصطلاحات المتعددة في هذا الصدد مثل: الاستيحاء أو الاستلهام أو التقليد أو الاحتذاء... لأنه من العسير تبين الحدود بين هذا المعنى أو ذاك في الشعر. ولنا في ذلك مثال بارز في باب السرقات الشعرية لدى النقاد العرب في القديم، أي في موضوع التأثر والتأثير، حين أخذتهم الحيرة تجاه نماذج تعبيرية جمة، ومتفاوتة الأحوال في هذا المجال، وكان عليهم في نهاية الأمر إيجاد مصطلحات كثيرة متقاربات الدلالة بلغت في عددها العشرات عساها توازي درجات السرقات البادية والبالغة الكثرة في هذا المجال الذي يكاد يكون من المحال ضبط حالاته واستيعاب جوانبه.
كذلك يكاد يكون من المتعذر على الباحث في هذا الصدد أن يعمد إلى تقسيم حياة الأديب إلى أطوار حاسمة أو إلى مراحل جازمة، بقصد تبين حدود التقليد والاحتذاء وطور الاستلهام والاستيحاء وما إلى ذلك... وإذا كان هذا ميسورًا في مجال العلوم والمعارف التي تبدأ عادة بمرحلة التلقي والتعرف على منجزات السابقين، فإن ذلك المطلب يبدو لنا في مجال الفنون والآداب بعيد المنال. إذ كثيرًا ما تتفجر الموهبة في الشعر أو الموسيقى لدى المرء على نحو يكاد يكون مفاجئًا، وبشكل يكاد يكون كاملًا. وهذا هو النبوغ المبكر الذي نجد له أمثلة كثيرة لدى سائر الأمم في غابرها وحاضرها. وبوسعنا أن نذكر من هذا القبيل في شعر العرب أبا تمام وأبا الطيب وأبا العلاء... حتى إن من الشعراء من يتراجعون في فنهم لدى اكتهالهم عما كانوا عليه في صدر شبابهم، حين تخبو لديهم وقدة العاطفة وتخفت فيهم حدة الشعور.