مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 29 - السنة الثامنة - تشرين الأول"اكتوبر"1987 - صفر 1408
ومع ذلك ثمة الآن ما يمكن إضافته في صدد هذه القصيدة لجبري، وهو أنه ألقاها في بهو النادي العربي بدمشق سنة 1920 في حفلة تأبين شهداء العرب الذين قتلهم جمال باشا التركي في خلال الحرب العالمية الأولى. والذي يعنينا هنا أن الشاعر شفيق جبري كان يوم نظم قصيدته في نحو العشرين من عمره، وأنها كانت المرة الأولى في حياته التي يلقي فيها شعرًا في مجتمع عام (108) . وهذا يرجح بطبيعة الحال عيش الشاعر يومئذ في جواء الأقدمين وحرصه على معارضتهم والتشبه بهم.
لقد تساءل الشاعر شفيق جبري نفسه عن شأن هذه الظاهرة، ظاهرة المعارضة لديه بقوله (109) :"... فما معنى المعارضة في ذهني، ولماذا كانت أعارض بعض الشعراء؟"
إني لا أجد في هذا الأمر غير سر واحد، فقد كنت معجبًا بشاعرية الذين عارضتهم، معجبًا بأذواقهم وموسيقاهم. كنت أرى تقاربًا في فنِّنًا وأذواقنا، فإذا قرأت شعر أحدهم تهيجت النفس فاستعدت لمعارضته، منقادة إلى ذلك بمجرد هذا التقارب... إن أذواق الشعراء تتآلف بالتعارف... وما التعارف في هذا المقام إلا تقارب الفن والذوق والموسيقى:""