إن الجنوح إلى المعارضة من حيث الأساس ما هو إلا تطبيق واع لرغبة الاحتذاء العارمة التي تعتمل في نفس الشاعر، واللهفة على أن يطلق لقريحته العنان في حلبة المبدعين من الشعراء. إذ المعارضة في أصلها نزوع تقليدي عريق في تاريخ الشعر العربي، جرى عليه الشعراء منذ سالف العصور، وكان انبعاث المعارضة من جديد، خلال العصور الحديثة، ظاهرة طبيعية أيضًا، تبعًا للارتباط الشعوري العميق بين من يعرفون بالرعيل الأول من الشعراء وأتباعهم وبين فحول الشعر العربي في العهود الماضية.
وهذه المعارضة، باعتبارها لدى الشاعر مظهرًا نفسيًا ومنحى فنيًا معًا، إنما تصاحب عادة مرحلة الاستظهار والحفظ أو تعقبها، ولكنها لا تكاد تفارقها أو تنفصل عنها.
ومن جهة أخرى فإن مسألة المعارضات الشعرية، كما هو شأن السرقات الأدبية، وسائر ما يتصل بقضايا التأثر والتأثير في الأدب، هي في قضية شائكة وذات مزالق في النقد الأدبي، إذ تنطوي على جوانب من الشك، وقد يعترضها الخطأ. وهي هذا المجال كما هو الحال في كثير من المعارف الاجتماعية أو الإنسانية قد لا تفضي دومًا إلى نتائج يقينية حاسمة، ولا سيما إذا لم تتوافر لها كل المعطيات المنشودة. وعلى ذلك فإن ما أوردناه من معارضات إنما يغلب عليه التخمين ولا سبيل فيه دومًا إلى اليقين.. وإن تشارك شاعرين في وزن واحد وقافية محددة لا يعني أن أحدهما حذا حذو الآخر أو جاراه أو عارضه وإلا كان علينا أن نرجع كثرة بالغة مما نظمه الشعراء إلى قرائح سواهم..
وبوسعنا أن نقدم مثالًا على ذلك قصيدة لشفيق جبري قد تشاركها في حالها قصائد أخرى له مما سبق لنا عرضه ومقارنته بأشعار مشابهة. لقد نظم شفيق جبري قصيدة وطنية أسماها"ذكرى الشهداء"واستهلها بقوله: (106) :
دمشق الشام هل نفذ القضاء