فهرس الكتاب

الصفحة 7178 من 23694

ولم يكن الشاعر جبري يجد أي حرج أو غضاضة في الإعراب عن إعجابه بالزركلي وتقديره لشاعريته حتى بعد أن بلغ مرحلة النضج وتحقق لديه ما يصبو إليه من شهرة. وهذا شعور طيب ينطوي على نبل ووفاء. وكان بعض أصدقائه يلومونه على صراحته وجهره بمثل هذا الاعتراف. ومن هذا القبيل قوله وهو في الستين من عمره والزركلي عهدئذ يسمع ويرى (104) :"إن خير الدين شاعر ملء لحمه وعظمه ودمه."

إنه شاعر ملء روحه وقلبه.."."

وقد ردد الشاعر جبري ما يشبه هذا الكلام بصوت متهدج بعد نحو عشرين عامًا أيضًا على ملأ من الأدباء وهو شيخ هرم، حين رثى الزركلي الفقيد بمرارة في حفل تأبيني حاشد (105) . وقلما شهد شاعر بشاعرية آخر سواه على غرار ما كان من شأن جبري مع الزركلي.

كل ذلك يفضي بنا إلى القول إنه كان للشاعر خير الدين الزركلي حيز كبير في قريحة شفيق جبري لم يملأه شاعر آخر، وأن تأثيره في تكوين شاعريته كان بعيد المدى. وليست معارضات جبري له، ما بطن منها وما ظهر، سوى جانب من جملة هذا التأثير.

ولعلنا الآن، بعد ما قدمناه من شواهد جمة خلال هذه الدراسة المقارنة التي سعت إلى الكشف عن طبيعة شعر الشاعر شفيق جبري ورصد موقعه بين من تقدموه من الشعراء في القديم والحديث، قد يبدو بوسعنا أن نخلص بعد ذلك إلى تبين مفهوم أوضح لظاهرة المعارضة في الشعر العربي.

لا بد لنا أول الأمر من التأكيد على مقولة أساسية في هذا الصدد، وهي أن حرص الشاعر العربي المعهود على معارضة ما يروقه من أشعار الآخرين ما هو إلا دليل بارز على إقراره بفضلهم واقتناعه بجودة أشعارهم. كما تنطوي هذه الظاهرة في الوقت نفسه على سرور الشاعر بالتحليق في فلك سابقيه، واغتباطه بالسير في مواكبهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت