وهذا الإعجاب المتعاظم بشخصية الزركلي وبشاعريته معًا قد دفع الشاعر جبري دون ريب في طريق التشبه به والنسج على منواله ومعارضته في كثير من أشعاره، حتى غدا بالنسبة إليه بمنزلة المثل الأعلى. حتى إن ذلك النزوع لدى شفيق تجاه الزركلي بدا لبعض أدباء ذلك العهد جليًا من خلال ما كان ينظمه جبري من أشعار. وقد كتب في ذلك أحمد شاكر الكرمي صاحب جريدة (الميزان) قائلًا في معرض إعجابه وإشادته بالشاعر الناشئ (99) :
"إن الشاعر شفيق جيري ينتقي ألفاظه ويعنى برصفها، يقلد بذلك خير الدين الزركلي، ويسير على سننه. وعندي أنه سيصير في عالم الأدب إلى منزلة يحسد عليها".
والحق أنه ليس من العسير على الناظر في شعر شفيق جبري أن يتبين في خلاله ظلًا لخير الدين الزركلي يلوح عبر قوافيه بين الحين والحين. فقصيدة الشاعر جبري التي رثى فيها سعد زغلول بقوله في مطلعها (100) :
ثم في ظلال الخالدين... جبار مصر على السنين
والتي بدت لنا مقاربة لقصيدة نسيب عريضة في"النفس"، هذه القصيدة ذاتها مشابهة في الوقت نفسه لقصيدة خير الدين الزركلي التي مطلعها (101) : صبر العظيم على العظيم... جبار زمزم والحطيم
ومن أمثلة هذا التأثر الجلي قول الشاعر جبري في مرثيته"رمز النضال"التي نظمها في أثر وفاة أحد أعلام الوطنية في سورية ومطلعها (102) :
الربع ربعي والبطاح بطاحي... فإذا بكيت فقد بكيت جراحي
فهذه القصيدة منظومة على غرار قصيدة ذائعة للزركلي عنوانها"بين الدم والنار". ومطلعها (103) :
الأهل أهلي والديار دياري... وشعار وادي النيربين شعاري
وما تجدر ملاحظته أن العهد بين القصيدتين يقارب ثلاثين عامًا، وفي هذا ما يدل على أن الشاعر جبري ظل ينظم أشعاره على هدي الزركلي حتى في مرحلة نضجه وفي طور اكتهاله. ... فزلزلت الكواكب والسماء