على أن الشاعر الأثير لدى شفيق جبري من بين هؤلاء الشعراء الثلاثة الذين خصهم بإعجابه هو خير الدين الزركلي. فقد أعجب به منذ حداثته أشد الإعجاب، بل كان مفتونًا بشاعريته إلى أبعد مدى. ويبدو لنا أن هذا التقدير تجاوز شعر الزركلي إلى شخصيته نفسها التي بدت لشفيق جبري منطوية على كل الفضل. فخير الدين هو الذي أخذ بيد شاعرنا ناشئًا وأثنى على ذوقه و محفوظه، حين أنشد على مسمع من صفوة رجال الأدب أبياتًا للبحتري كان قد اختارها جريًا على عادة تلك (الجامعة الأدبية) كل أسبوع (95) .
وحين نظم شفيق جبري قبل ذلك إحدى بواكيره (96) :
أودى المنون بواحد الآحاد
معارضًا بها دالية الشريف الرضي في رثاء صديقه الكاتب الصابي، وبلغت أبياته مسامع خير الدين الزركلي، أبدى استحسانه لها وإعجابه بها، وتمنى لو عرف صاحبها. وكان أن سعى لخير الدين إلى شفيق مهنئًا، وهكذا كانت تلك القصيدة سبب تعارفهما واتصال المودة بينهما. ثم وجد شفيق جبري وهو يافع في شخصية الزركلي أيضًا ذلك الصديق الناصح والمعلم المرشد والأخ العطوف الذي دأب على تشجيعه ودفعه في مضمار الشعر، وقد قال خير الدين له مرة (97) :"اعمل لنا قصيدة أخرى، اكبت بها حسادك".
وحين فرغ شفيق من نظم أبياته أخذها منه الزركلي ونشرها له في جريدة"سورية".
وشتان ما كان من الزركلي في هذا الصدد مثلًا وما كان من الأديب نخلة زريق الذي علق على قصيدة عرضها عليه شفيق جبري فقال (98) :
"لا أجد فيها مأخذًا من مآخذ الصرف والنحو واللغة، ولكني أنصح لك أن تترك الشعر".