وإذا ما انعطفنا إلى صعيد آخر ربما راقتنا قصيدة رشيقة الوزن عذبة القافية رثى جبري من خلالها زعيم مصر سعد زغلول إثر وفاته عام 1927، وكان الشاعر شديد الإعجاب بزعامته (80) :
نم في ظلال الخالدين... جبار مصر على السنين
في اللب من حرم القلو ... ب وفي الصميم من العيون
العبقرية من شمالك ... والخلود عن اليمين
يا سعد كلٌّ في الكنانة ... باسمك الأعلى يدين
عقدوا القلوب على هواك ... مدلهين مولهين
قتل الحنين نفوسهم ... والنفس يقتلها الحنين
وإذا نفيت عن المرابع ... ثار (بالبيت) الحنين
فخيوط هذه القصيدة تبدو لنا منسوجة على منوال قصيدة جميلة تماثلها في الشكل سبق أن نظمها الشاعر نسيب عريضة (81) أحد أعلام الأدب المهجري في الولايات المتحدة الأمريكية، وهي معروفة باسم"النفس"، وفيها استوحى نظرات الفيلسوف ابن سينافي النفس فقال:
يا نفس ما لك والأنين... تتألمين وتؤلمين
عذبت قلبي بالحنين ... وكتمته ما تقصدين
وفي ظننا أن هذا النموذج المهجري -إذا صح لدينا تأثر شاعرنا به -ربما كان الوحيد الذي ترك ميسمه على شعر شفيق جبري، إذ لم تكد ربوع تلك المهاجر القصية تعرف في ذلك الجيل شعراء كبارًا جديرين بالاهتمام، ما عدا إيليا أبو ماضي ونسيب عريضة والشاعر القروي (82) ... وهؤلاء من جيل شفيق جبري ويكبرونه بنحو عشر سنين. ومع أن اتصال المشرق بأدب المهجر كان ضئيلًا ومحدود الأثر بسبب بعد الشقة وضعف التواصل فإن قصيدة"النفس"وبضع قصائد أخرى من الشعر المهجري حظيت بالذيوع وكان لها بين متأدبي الوطن صدى استحسان واسع. ... فجدد بالنعي أحزانها
ولكن ما بالنا نمضي مع الشاعر جبري بعيدًا ونتقصى جذور قصائده لدى أعلام الشعر العربي في الغابر والحاضر، وعلى جانبيه ينابيع ثرة تفيض بها قرائح معاصريه في ربوع الشام وتضع أمام شاعريته المتفتحة نماذج فنية عذبة تغري بالاحتذاء. ونحن نجنح إلى الاعتقاد بأن الشاعر جبري وجد ضالته منذ بداية الطريق في الشاعر خير الدين الزركلي.