فإذا تركنا التماثل في البحر والروي بين القصيدتين تجلت لنا كلمات القوافي (أيام وأحلام) وقد تكرر بعضها لدى الشاعرين ولا سيما من خلال التشبيهين المتوازيين أيضًا في الشطر الأخير لكل من القولين.
ويبدو أن رغبة شفيق جبري في الاحتذاء قد استبدت في نفسه حتى باتت تشمل السالفين من الشعراء القدامى وأيضًا البارزين من المعاصرين. ولعل ما لمسه في نفسه من طاقة واقتدار على مجاراة أولئك الشعراء في أروع أشعارهم قد حفزه إلى المضي في هذا المضمار إلى أبعد مدى. إنه يتتبع حركة الشعر في عصره ويحرص على الإفادة من كل ما تنطوي عليه من معطيات الجدة والطرافة والإبداع، فيحرص على الاقتراب منها والتشبع بها.
قرأ الشاعر يومًا في جريدة"الأهرام"وهو يافع قصيدة للأديب المصري مصطفى صادق الرافعي عنوانها"ترقيص طفلة"فراقته، ومطلعها:
ندى الورد على فلِّك... كسفت الورد والفلا
وفي ذلك يقول (76) :"وقد وقع مني هذا الطرز من الشعر موقعًا حسنًا، فجريت على هذا الأسلوب، فكانت قصيدتي (مناغاة طفلة) (77) :"
"وميض البرق من ثَغرك... فديت البرق والثغرا"
وكان الشاعر قد نظمها عام 1923 وهو ما زال في مرحلة الشباب. ويضيف الشاعر جبري إلى ذلك في هذا الصدد قوله أن قصيدة الرافعي هذه بدت له من خفائف الشعر على غرار ما كان يطلقه أبو الفرج في كتابه (الأغاني) من عبارة"الغناء الخفيف"الذي يقارب في رأي الشاعر ما نسميه في عصرنا بـ (الطقاطيق) . وهذا ما حفزه إلى نظم قصيدة ثانية مهتديًا بمنحى الرافعي أيضًا أسماها"أغنية المغلول"ومطلعها (78) :
أنا يا طير مغلول... متى أنجو من الغل
كما حفزه ذلك أيضًا إلى نظم قصيدة ثالثة مطلعها (79) :
عن ياطير لي ولك... سلم القلب أم هلك
وكل من هذه القصائد الثلاث قد نظمت خلال مدة واحدة وتعكس بقوة مرحلة الاحتذاء وطور التكون في حياة الشاعر.