بان الخليط ولو طوعت ما بانا... وقطعوا من حبال الوصل أقرانا
ومنها مشهور قوله:
يا أم عمرو جزاك الله مغفرة... ردي على فؤادي مثلما كانا
إن العيون التي في طرفها حور ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
يا حبذا ساكن الريان من جبل ... وحبذا ساكن الريان من كانا
فالتشابه بين القصيدتين يتعدى البحر البسيط وقافية النون إلى استخدام كلمات مشتركة بعينها.
وفي هذا المدى الرحيب من ديوان العرب دأب شفيق جبري على النظم مستوحيًا روائع المتقدمين. ويغلب على الظن أن في جملة ما كان يقبل على قراءته وحفظه من أشعار العرب قصيدة راقته للشاعر الغزل عمر بن أبي ربيعة مطلعها (43) :
قال لي صاحبي ليعلم ما بي... أتحب القتول، أخت الرباب
فإذا شفيق جبري ينظم على منوالها، ومع اختلاف البحر، قصيدة مشابهة استهلها بقوله:
سألت جهينة أمها عما بي... هاك الجواب، إذا شفاك جوابي
غير أن المفارقة في هذا الصدد أن ابن أبي ربيعة قال قصيدته وهو في ريعان الشباب وعنفوان الصبابة، على حين نظم جبري قصيدته وهو شيخ متهدم جاوز الثمانين من عمره، إنه في قصيدته هذه"بعد الثمانين"، ولعلها آخر ما نظم، يمضي قائلًا (44) :
ان الثمانين التي استنفذتها... أحيت مشيبي بعد موت شبابي
لمعت كما لمع الشباب بقفرة ... أين السراب وأين لمع سراب
وهذا ما يسمح لنا بالقول إن الشاعر جبري، سواء في ميعة صباه أو في أخريات أيامه، ظل في كل حال لصيقًا بأرومته وفيًا لتراثه. وفي هذا المجال أيضًا ثمة قصيدة لامية لشفيق جبري من الشعر القومي يتلفت فيها الشاعر شطر لبنان. فيبثه حزن الأشقاء في ربوع سورية ويتمنى لقومه خلالها وحدة الشمل (45) :
مراحل دون الأرز عز اجتياحها... بودي لو تجتاز يومًا مراحله
أحن إلى لبنان والأرز مائج ... تنوح عليه في الشعايا عنادله
تعالوا إلينا نجمع الشمل بيننا ... عسى ربعنا يعلو على الدهر سافله
فنحن نتشوف من خلال هذه الأبيات ملامح الشاعر الجاهلي زهير بن أبي سلمى في لاميته التي مطلعها.