ومن اليسير على القارئ المقارن أن يلامس أنفاس أبي الطيب من خلال معاني هذه القصيدة وصورها، فضلًا عن أن أبيات جبري ماثلت في الوقت نفسه ذلك البحر الكامل وشابهت أيضًا روي اللام. وكان شفيق في حداثته أيضًا قد اهتدى إلى قصيدة للشاعر الفرنسي فكتور هوغو لم تنشر في ديوانه، فأسرع إلى تعريبها وجعل عنوانها نجوى آدم"ومنها قوله (9) :"
فما الذي في مجال الطرف يطربني... أصحوة الجو أم دفق الشآبيب
أم نظرة من رفيف الفجر ناعسة ... كأنها غمرة من عين محبوب
أم هبَّة من نسيم البان ليَّنه ... تناغم الخد في صبح وتأويب
أم نفثة من شفاه الورد ناعمة ... كأنها فرجة من صدر مكروب
فأبو الطيب الذي كادت روحه تتقمص في قريحة جبري إنما يطل أيضًا من خلال هذه الأبيات، وهي إحدى البواكير التي نظمها شفيق عهدئذ، فقد نسجها على منوال بائية المتنبي الذائعة التي يقول فيها (10) :
من الجآذر في زي الأعاريب... حمر الحلى والمطايا والجلابيب
حسن الحضارة مجلوب بتطرية ... وفي البداوة حسن غير مجلوب
فقد انطبعت معاني أبي الطيب في نفس الشاعر، كما ارتسمت قافيته وبحره في ذهنه، فانبثقت تلك الأشعار من قريحته على هذه الصورة، من حيث كان يشعر أو لم يكن يشعر. وعلى هذا الغرار آثر شفيق جبري التحليق في فلك أبي الطيب من خلال بعض قصائده، فقال من قصيدة أخرى (11) :
لم يكن صخرة فؤادي ولكن... لم تحرك من جانبيه المدام
وهذا القول صورة مقاربة لمشهور قول المتنبي أيضًا (12) :
أصخرة أنا ما لي لا تحركني... هذي المدام ولا هذي الأغاريد
كذلك نظم شفيق جبري قصيدة أعرب خلالها عن سخطه على ما كان من بطش المحتلين الفرنسيين بالآمنين من سكان دمشق عام 1945 وقال (13) :
يا يوم أيار والنيران ملهبة... على دمشق تلظِّيها جلاميد
فأبيات القصيدة تذكر في نبرة أساها، فضلًا عن عناصر من مبناها، بقصيدة المتنبي الساخطة التي مطلعها (14) :
عيد بأية حال عدت يا عيد... بما مضى أم لأمر فيك تجديد