فهرس الكتاب

الصفحة 7159 من 23694

غير أن هذا الحفظ لم يكن يتم دائمًا على وجهه الصحيح، فكثيرًا ما تستظهر ناشئة المتأدبين نصوصًا بعينها عن ظهر قلب، دون أن تتفهم معانيها وتدرك مراميها. وشعر المتنبي ليس بالشعر الذي تتفتح مغاليقه بيسر أمام جميع الأفهام، ولا سيما ما كان منها في طور الحداثة. ولعل المصادفة وحدها هي التي شاءت أن يكون ديوان أبي الطيب المتنبي أول زاد أدبي يتناوله شفيق جبري في حداثته، حين وقع نظره عليه في أحد دكاكين الاسكندرية، فاقتناه وراح يقرؤه بنهم، ويستظهر منه ما فهم وما لم يفهم. والشاعر نفسه يعود بذاكراته إلى عهد صباه فيقول (5) :" والمتنبي أول الشعراء الذين خالطتهم ومازجتهم، ولكن هل كنت أفهم شعره حق الفهم؟ هل كنت أفهم أسراره على النحو الذي أفهمه اليوم؟ هذا أمر أمرّ عليه مرورًا، إنما المهم أن أدون في هذا المقام حفظي لشعر المتنبي في فاتحة عهدي".

وحين شرع جبري في نظم قصيدة من بواكير شعره (6) وعنوانها"الزمن"، دخل هذا الموضوع على النحو الذي ألفه أيضًا شعراء العرب في القديم، وانعطف إلى المتنبي عامدًا يستعير بعض تراكيبه، فحوّلها إلى ما أراد، وذلك حين وصف أبو الطيب الأسد، وهو في صدد مدحه بدر بن عمار (7) :

في وحدة الرهبان إلا أنه... لا يعرف التحريم والتحليلا

وقد جاء في قصيدة جبري في تصوير الزمن:

في قوة الأقدار لا تلوي به... في الخافقين قوارع الأهوال

وكان مما قاله فيها أيضًا (8) :

يمشي الزمان فلا يى متلفتًا... في مشيه عن يمنة وشمال

متحفز في سيره فكأنه ... سيل تدفق من مكان عال

يمضي فلا تلويه عن منهاجه ... في الخافقين قوارع الأهوال

لا يستقر به القرار إذا مضى ... فيطوف من جيل إلى أجيال

يمسي ويصبح وهو معتنق الردى ... فيصول بالأحداث كل مصال

متوفز للشر، إن جنانه ... ماض يدك شوامخ الأجيال

يستهلك الآساد في أجماتها ... وتحيد عنه فوارس الأبطال

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت