فهرس الكتاب

الصفحة 7158 من 23694

وهذه في حقيقة الأمر نظرية متكاملة صاغ ابن خلدون عناصرها بجلاء، وقد كانت ذات شأن كبير عند العرب، إذ ظلت سائدة لديهم طوال عهودهم الحضارية المديدة. وهي على قدمها تنطوي على قدر كبير من الصحة، لأن قوامها الدربة والمران، ورفد القريحة المتفتحة بأفضل ما أبدعته المواهب السالفة في هذا المجال.

وفحوى ما أورده ابن خلدون هو أن الاحتذاء هو مدرسة الشاعرية والتقليد أساسها، والحفظ عمدتها. وبذلك تشحذ قريحة الشاعر وتتكون ملكته. حتى ان ابن خلدون جعل المحفوظ شرطًا لتكوين الشاعرية، حين قال:"واجتناب الشعر أولى بمن لم يكن له محفوظ".

ومعنى ذلك أن الموهبة وحدها لا تغني صاحبها شيئًا في هذا الصدد، فقانون الجهد، هو وحده السبيل الموصل إلى بؤرة الإبداع. وهذا ما اقتنع به الشاعر جبري، ودفعه إلى السير في ذلك الطريق الصعب الطويل، إذ بدأ بشعر المتنبي، وانتقل إلى شعراء الجاهلية، وحفظ بعض المعلقات، ثم رجع إلى البحتري، وتنقل بين شعراء آخرين كالشريف الرضي وغيره (2) .

ومن نعم البحث أن ندرة من الشعراء قد تجد أحيانًا في الالتفات إلى سالف عهدها وبداية تكونها ما يجدي، وبذلك تلقي ضوءًا على مرحلة مبكرة من حياتها تبقى بطبيعتها باهتة المعالم في أغلب الأحيان، ولا سيما حين يعدو عليها الزمان وتجدّ في طمس معالمها الأيام. فذلك الفتى المتأدب شفيق -كما يروي بنفسه لنا -كان وهو في الخامسة عشرة من عمره يتمشى مرة في أحد شوارع مدينة الإسكندرية فوقع نظره في دكان على ديوان المتنبي الذي شرحه الشيخ ناصيف اليازجي، فاشتراه وبادر إلى قراءته، حتى حفظ منه الشيء الكثير (3) . وقد سبق للشاعر جبري أن قال في هذا الصدد أيضًا (4) :"حفظت من شعر أبي الطيب المتنبي في حداثة السن ما يبعث على المروءة، ويزيد في كرم النفس، وينبه من الشعور".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت