لقد أدرك الشاعر بعمق، ومنذ حداثته، أن هذا هو مفتاح القريحة وطريق الشاعرية، أو لعله آثر من أجل إثراء أدبه وإغناء ثقافته، أن يسلك النهج نفسه الذي سلكته تلك الطبقة المحتذاة نفسها من الشعراء الرواد.
ويبدو أن ذلك المتأدب الناشئ استمرأ طعم هذا الأدب الأصيل وساغ له مذاقه، فانعطف إلى أسفار التراث العربي يعيش في رحابها ويغوص في عبابها ويتوغل في شعابها، عساه بعد ذلك أن يقف من كثب على مفاهيم السلف في مضمار نظم الشعر وقضايا الأدب.
فدأب على أن يرفد رغبته في نظم القريص بالاطلاع على كثير مما أورده أولئك النبهاء في هذا الصدد وكان ابن خلدون في طليعتهم. وقد ألقى شفيق جبري ضوءًا على طور تكونه خلال حداثته فقال (1) :
"قرأت في مقدمة ابن خلدون ما يلي: اعلم أن لعمل الشعر وأحكام صناعته شروطًا، أولها الحفظ من جنسه، أي من جنس شعر العرب، حتى تنشأ في النفس ملكة ينسج على منوالها، ويتخير المحفوظ من الحر النقي الكثير الأساليب، مثل ابن أبي ربيعة وكثير وذي الرمة وجرير وأبي نواس وحبيب والبحتري والرضي وأبي فراس وأكثر شعر كتاب الأغاني لأنه جمع شعر أهل الطبقة الإسلامية كله، والمختار من شعر الجاهلية، ومن كان خاليًا من المحفوظ فنظمه قاصر رديء، ولا يعطيه الرونق والحلاوة إلا كثرة المحفوظ."
فمن قل حفظه أو عدم لم يكن له شعر، وإنما هو نظم ساقط. واجتناب الشعر أولى بمن لم يكن له محفوظ. ثم بعد الامتلاء من الحفظ وشحذ القريحة للنسج على المنوال يقبل على النظم، وبالإكثار منه تستحكم ملكته وترسخ. وربما يقال إن من شرطه نسيان ذلك المحفوظ لتمحى رسومه الحرفية الظاهرة، إذ هي صادة عن استعمالها بعينها، فإذا نسيها وقد تكيفت النفس بها انتقش الأسلوب فيها كأنه منوال يأخذ بالنسج عليه بأمثالها من كلمات أخرى ضرورة"."