وصورة ذلك، أن المتيمم إذا رأى الماءَ، أثناء الصلاة، هل يمضي في صلاته حتى يُتمَّها، وتكون صحيحة، على الرغم من رؤيته الماء أثناء أدائها، استصحابًا لهذا الإجماع الذي انعقد -إبان الشروع فيها -على صحتها، ودوامها قبل رؤيته الماء، ولا يؤثر على صحتها، ودوامها، طَرَيان وجود الماء، أثناءها، فتكون صحيحة لا باطلة؟ لعدم ورود الدليل الشرعي على حكم هذه الحال من رؤية الماء أثناء الصلاة من قِبَلِ المتيمم.
1-قال فريق من الأصوليين -ومنهم الإمام الغزالي، وأبو حنيفة -لا محل للاستصحاب في مثل هذا الإجماع، إذ قالوا: تبطل الصلاة إذا رأى الماء أثناء أدائها، ولا اعتبار للإجماع الذي انعقد على صحتها، عند الشروع فيها، قبل رؤية الماء، إذ لا يستلزم هذا الإجماع، دوام انعقاده وحكمه بعد رؤية الماء، فهو منعقد -كما يقول الإمام الغزالي (67) -في حال عدم الماء، لا في حال وجوده، إذ بوجود الماء، يرتفع الإجماع، لتغيُّر الحال، ويصبح كأن لم يكن، ولا استصحابَ يُتصوّر لإجماعٍ غير موجود!! فينبغي أن يتوضأ من جديد، ويستأنف الصلاة. -ألا ترى إلى"الخمر"قد انعقد الإجماع على تحريمها، حتى إذا تغيّرت صفتها، فصارت خلاّ، ارتفع الإجماع، ولا يستصحب، لتغيّر الصفة، وهذا التغيّر قد جعله الله تعالى قاطعًا لاستمرار الحكم المجمع عليه الأول، وهو التحريم، ومثبتًا حكمًا جديدًا طارئًا مضادًا للحكم الأول، فكذلك ما نحن فيه.
وكذلك"جلد الميته"نجِس بالإجماع، حتى إذا دُبغ ارتفع هذا الإجماع، لتغيّرِ صفته، وأصبح طاهرًا بالإجماع، لتغيُّر الحال، لأن الدباغة حال، أو صفة طارئة لجلد الميته، قد جعلها الله تعالى عله مغيَّرة لحكم نجاستها، ومثبتة لحكم آخر جديد، يضاد الحكم الأول، ذلك مثل بسيط نورده للتوضيح.
وعلى هذا، فلا محل للاستصحاب في إجماع من هذا القبيل، بالبداهة، عند هذا الفريق.