ويضرب الإمام الغزالي الأمثال التوضيحية لهذا الأصل، حيث يقول:"... إذا أوجب -الشارع -صوم شهر رمضان، بقي صوم شوال على"النفي الأصلي"-أي بقي منفيًَّا وجوبه بالعقل -وإذا أوجب على القادر، بقي العاجز على ما كان عليه (65) "لعدم الدليل على التكليف في حقه، ويحكم العقل بذلك قبل الشرع!!.
وهذا معناه، أن نفي الوجوب عن العاجز، ثابت بالعدم الأصلي عقلًا، لا بالدليل الذي أوجب على القادر شرعًا.
ويُستخلص من هذا، أن"العقل وحده"يستقلُّ بالحكم بانتفاء التكليف، وباستمرار هذا الحكم السلبي، لهذه الحال أيضًا، لأن كلاًّ من الحكم بالانتفاء ابتداءً، واستمرار هذا الانتفاء مرجعه"العقل"دليلًا عليهما، والعقل قائم، فلا محل للاستصحاب أصلًا -كما قدمنا -وهذا الحكم العقلي بعدم التكليف حجَّة، واتباعه واجب، بل هو الأصل، ولا خلاف فيه، وقد أيَّده الشرع ومن ادعى خلاف هذا الأصل، فعليه بالدليل المغيِّر، غير أن هذا الحكم العقلي بالعدم الأصلي، واستمراره، ليس نوعًا من الاستصحاب الذي نحن بصدد البحث فيه، على التحقيق لما قدمنا.
15-هل الحكم الثابت بالإجماع، أو القياس، محلٌ للاستصحاب؟
آ-أما الحكم الثابت بالإجماع، فإنه إذا انعقد على محل ذي صفة، ولم تتغير صفته، فإن هذا الحكم يستصحب، ويبقى مستمرًا بالإجماع، ولا خلاف في ذلك.
ب-أما إذا تغيرت الصفة المُجمع عليها، فهل يستصحب حكم الإجماع بعد هذا التغيُّير، أو لا يستصحب؟؟.
اختلف الأصوليون في كون الحكم المجمع عليه، محلاًّ للاستصحاب، إذا انعقد هذا الإجماع ابتداء على فعل ذي صفة، ثم تَغيَّرت صفته، أثناء أدائه، وقبل اتمامه.