فهرس الكتاب

الصفحة 7147 من 23694

وبيان ذلك: أنَّ حكم العقل لا يستصحب، لأنَّا بينَّا، أن حكم العقل الذي أثبت حكم العدم الأصلي ابتداءً، هو نفسه الذي حكم باستمراره في الزمن الآتي انتهاءً، لأن العقل كان قائمًا قبل الشرع، وبعد وروده، ولا يزال قائمًا في الحاضر، وفي الزمن الآتي، ولا يتخلف الحكم عن دليله، كما ذكرنا، وإذا استمر قيام العقل استمر الحكم الثابت به بداهة، فلا حاجة إذن إلى الاستصحاب، لأن الاستصحاب إنما يلجأ إليه في الاستدلال، حيث لا دليل مستقلًا يدل على استمرار الحكم، وهذا دليله قائم، كما رأيت، وفرق بين أن يكون الاستمرار ثابتًا بدليل قائم مستقل، وبين أن يكون استمراره ثابتًا، أثرًا لازمًا لعين دليل وجود الحكم، فالدلالة في الثاني لزومية، وهذا هو الاستصحاب، وفي الأول عقلية أصلية، وليست ثابتة لزومًا، فافترقا! فحكم العقل في الاستمرار، كحكم النص في الاستمرار أو التأبيد، كلاهما ليس استصحابًا، كما قدمنا.

هذا، والإمام ابن قدامة، يصرِّح بأن:"العدم الأصلي"حكم عقلي، قبل ورود الشرع، إذ يقول:"استصحاب العدم الأصلي، حتى يرد دليل ناقل عنه (63) لأن العقل يدلُّ على براءة الذمة" (64) "."

وما قيل في وصف الغزالي لحكم استمرار دليل العقل بأنه"استصحاب"يُقال في وصف ابن قدامة بذلك، فكلاهما لم يُصب في هذا"التكييف"للفارق الحاسم بينهما، كما بينا.

14-الأمثلة التطبيقية لاستمرار العدم الأصلي، أو البراءة الأصلية، بحكم العقل:

قلنا: إن مفاد هذا الأصل من البراءة، أن الحكم بعدم إيجاب فعل، قبل أمر الشارع به، أو بنفي الحكم الشرعي التكليفي بوجه عام، قبل ورود دليله من الشارع، فإن"العقل"يدل على انتفائه إلى أن يرد دليل عن الشارع يترتب عليه وجوده أو ثبوته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت